277
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الثاني)

وما نُسب إليه في العُدّة فقد قال الفاضل التونيّ ۱ : إنّي تصفّحت تمام العُدّة [فيما نسب ]إليه من أنّ ما عملتُ به من الأخبار فهو صحيحٌ؛ فما رأيت هذا الكلام فيه .
وذكر أيضا ۲ : أنّ الشيخ ـ كغيره ـ كان متمكّنا من إيراد الأخبار الصحيحة [ من الكتب القطعيّة الأخبار] فلا وجه لتلفيقه بين الصحيحة والضعيفة ، انتهى .
وأمّا ما ذكره ثقة الإسلام في الكافي والشيخ في كتابَي الأخبار؛ فلايظهر منهما الشهادة أصلاً، فهذه النسبة ـ أعني شهادة المحمّدين الثلاثة في الكتب الأربعة على قطعيّة جميع الأخبار المودَعة [ فيها] كما نسب إليهم أعاظم الأخباريّين ـ نسبة عجيبة .
والأعجب منها [ أنّه] لم يعتمد الصدوق ـ رحمه اللّه ـ [ على الكلينيّ] ـ مع قرب عهده بثقة الإسلام، وسهولة اطّلاعه على اعتقادات صاحب الكافي وكذا شيخ الطائفة لم يعوّل عليهما، وذلك دليلٌ على عدم كفاية اجتهاد مَن تقدّم ـ في صحّة العمل ـ لمن تأخّر عنه . ۳
هذا تمام الكلام في المقام [ الأوّل] من إثبات الحاجة إلى علم الرجال في الجملة رفعا لإنكار الأخباريّين، وبيان حججهم والجواب عنها إجمالاً وتفصيلاً .
أمّا المقام الثاني ففي إثبات الحاجة إليه على نحو الإيجاب الكلّيّ الشامل لكلّ مجتهدٍ :
ردّا لِما قاله بعض المحقّقين من المجتهدين ـ زعما منه ـ من جواز الاكتفاء بتصحيح الغير، وعدم الحاجة إلى الرجوع إلى علم الرجال، وتحصيل قواعده، فنقول:
إنّ أصحابنا المجتهدين اختلفوا في هذا المقام على قولين :
(الأوّل): ذهب المحقّقون إلى لزوم الحاجة على سبيل الكلّيّة، بمعنى: أنّ كلَّ مجتهدٍ لابُدَّ له ـ في العمل بأخبار الآحاد ـ من ملاحظة سندها [ بـ] الرجوع إلى الكتب

1.اُنظر : الوافية في أصول الفقه : ۲۶۵ .

2.نفس المصدر .

3.ولخرّيت الفنّ سماحة آية اللّه السيّد حسن الصدر العامليّ الكاظميّ ـ رحمه اللّه تعالى ـ أيضا ردودٌ على المقدّمات التي ذكرها صاحب الحدائق فراجع نهاية الدراية في شرح الوجيزة له إن شئت .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الثاني)
276

الظنّ . ۱
وفيه: أنّ حصول الظنّ أمرٌ قهريٌّ حاصلٌ لمن له وجدان، وهو ظاهرٌ وعَيان .
وثالثا: المستفاد من دعوى الكشّيّ إجماعَ العصابة على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء الذين أشرنا [ إلى] اسم كلّ واحدٍ منهم [ أنّه] لا شكّ أنّهم ليسوا بمعصومين، بل غاية الأمر كونهم عدولاً، والعادل ليس مصونا عن السهو والنسيان، فيكون الخطأ في قولهم محتملاً، سيّما ممّن اختُلف منهم في كونه إماميّا أو غيره، كأبان بن عثمان الناووسيّ وعليّ بن فضّال الفطحيّ وأمثالهما .
فحكمهم بصحّة ما صحّ عن ذلك البعض ـ مع احتمال الخطأ ـ ينادي بأعلى صوته بأنّ مرادهم من الصحّة ليس القطع واليقين، فإنّ الظاهر من إتيان «يصحّ» بصيغة الاستقبال في قولهم؛ ۲بيانُ القاعدة الكلّيّة، فيكون المراد ما يحصل من الاعتماد لهم من خبرهم، وهذا معنى الصحيح عند القدماء محقَّقا، كما عرفت استفادته من قول الصدوق رحمه اللّه : «وأحكم بصحّته» فيكون [بمعنى] المعوَّل عليه والمرجوع إليه، بخلاف الصحيح عند المتأخّرين بأن يكون الراوي عدلاً إماميّا ضابطا، وذلك لايحصل إلاّ بعلم الرجال غالبا .
ورابعا: [ أنّ] الأخبار العلاجيّة المرويّة عن الأئمّة عليهم السلام تدلّ على لزوم الرجوع في معرفة العادل والأعدل إليه. ۳
وخامسا: أنّ الشيخ ـ الذي هو من القدماء، ومرجع الأخباريّين ـ قد بنى على الاجتهاد في السند ـ كما يلوّح به أوّل كتابَيْه ـ .

1.هذه العبارة كما ترى، ولكنّها في لُبّ اللباب : ۴۳۰ أوضح، وهذا لفظها: وأمّا عدم تحقّق الظنّ الاجتهاديّ؛ فلأنّ ملاحظة مخالفة الفحول، واختلاط الفسّاق والعدول، وتعارض الأخبار الكاشف عن عدم صحّة الكلّ، واحتمال صدور الخطأ عن غير المعصوم عليه السلام يقتضي التزلزل في صحّة كلٍّ من الأخبار المودَعة في الكتب المتداولة قبل ملاحظة السند، بخلاف ما يصدر منهم في المدح والقدح ونحوهما كما لا يخفى .

2.يعني قولهم المتقدّم : «اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ...» .

3.أي: إلى علم الرجال .

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الثاني)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1383
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 12006
صفحه از 640
پرینت  ارسال به