275
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الثاني)

وعلى فرض تسليم كونه شهادةً؛ فهي هنا غير مسموعة منه، لِما ذكرنا [ من ]أنّها شهادة على المعلوم، مع عدم صدق الشهادة على هذا، لأنّها إخبارٌ جازم للغير ممّا شاهده أو سَمِعَه أو عَلِمَه، والتصحيح منقوش، فليس بشهادةٍ، فيكون من باب الظنّ، مع [ أنّ] احتمال الغفلة والسهو غير حاصل، بخلاف قولهم في المدح والذم ونحوهما، فإنّ ظاهر الإخبار الشهادة .
لايقال: لابُدّ في حصول الشهادة من السَّماع ـ ولو من الشاهد ـ ومجرّد نقله في الكتاب لايكون شهادةً .
لأنّا نقول: هذا هو الداعي في عدم كون الجرح والتعديل من باب الشهادة، لنُدرة حصول حديثٍ صحيحٍ غاية النُدرة [ حينئذٍ] وكذا كونهما من باب النبأ والرواية، فلذا ذهب المحقّق البهبهانيّ إلى أنّهما من باب الظنون الاجتهاديّة .
فإن قلت: فما الفرق بين القسمين؟
قلت: الفرق أنّ الأوّل من باب الشهادة على المجهول، والثاني من باب الشهادة على المعلوم، والأوّل غير مسموعٍ، والثاني مسموعٌ .
فإن قلت: كيف يمكن تحقّق الشهادة واطّلاع المصنّفين على حال الرواة، مع بُعْد العهد؟
قلت: الشهادة [ قد تكون] علميّةً [ والعلم] قد يحصل من الشِّياع ـ كما في سلمان و أبي ذَرٍّ وأمثالهما ـ .
وأمّا عدم تحقّق الرواية؛ فلذلك أيضا، لأنّها أيضا شهادة، إلاّ أنّ الفرق [ هو ]أنّ المراد من الشهادة في هذا المقام لزوم التعدّد، ومن الرواية عدمه، مع التساوي في اشتراط العدالة ونحوها .
وأمّا الظنون الاجتهاديّة ـ وإن قال بعدم تحقّقها أيضا بعض المحقّقين، ۱ تمسّكا باختلاف الأخبار، و[ مخالفة] الفحول من الأخيار ـ فيحصل التزلزل، فلايحصل

1.يعني: الأسترآباديّ في لُبّ اللباب : ۴۳۰ .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الثاني)
274

فيه: أنّ إخبارهم بكون الراوي ثقةً، أو كذّابا، أو نحو ذلك، إنّما هو أمرٌ اجتهاديٌّ استفادوه بالقرائن المطلعة على أحواله أيضا ، انتهى .
وفيه:
أوّلاً: [ أنّ] ما ذكرناه سابقا [ من] أنّ العمل بأخبار القدماء في المدح والقدح ونحوهما من أحوال الرواة ممّا أجمع عليه الفريقان ـ وإن اختلفوا في الجهة، هل قول هؤلاء القوم من باب الشهادة، أو النبأ والرواية، أو من باب الظنون الاجتهاديّة ـ وليس [ حال] تصحيح أخبارهم كذلك، فالإجماع مرجّحٌ لوجوب العمل على ما أجمعوا، وإلاّ فلو لم يكن الإجماع موجبا للعمل به للزمت المفسدة الشنيعة من إبطال الشريعة، كما لايخفى على من له أدنى بصيرة .
وثانيا: الجرح والتعديل من الأقسام الثلاثة متحقّق فيها الشهادة، بخلاف تصحيحهم، فلايتحقّق شيءٌ منها [ فيه] .
أمّا عدم تحقّق الشهادة؛ فلِما عرفت [ من] أنّها عبارةٌ عن إخبارٍ جازمٍ في حقٍّ لازمٍ، أو مشاهدة حاصلة بالسَّماع أو العلم .
وكلمات المشايخ الثلاثة في أوائل كتبهم لايظهر منها الشهادة، لأنّ الكلام الذي هو أصرح في مراد المستدلّ كلامُ الصدوق في ديباجة الفقيه وهو على خلاف مقصوده أدلّ، لِما ذكرنا مشروحا بما لا مزيد عليه .
أمّا قوله: «بل قصدتُ إلى إيراد ما اُفتي وأحكم بصحّته وأعتقد فيه أنّه حجّة بيني وبين ربّي» فإنّه يدلّ [ على] أنّ ما ذكره وصحّحه يكون من باب حكمه وفتواه، وأنّ ما حكم بصحّته هو المرجع والمعوَّل عليه في كونه حجّةً بينه وبين ربّه، فكيف يستفاد من هذه الكلمات وممّا ذكره في بيان ما حصل له ـ بعد بذل جهده ـ من اجتهاده؛ الشهادةُ على قطعيّة صدور الأحاديث المذكورة فيه؟
وبعبارةٍ آخرى: أنّ تصحيحه من باب الإنشاء والحكم ، وأنّه خارج عن الأمور الثلاثة ـ أي من باب الشهادة، والرواية، والظنون [ الاجتهاديّة] ـ .

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الثاني)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1383
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 12098
صفحه از 640
پرینت  ارسال به