479
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)

وأُجيبَ : بأنّ الفسقَ لمّا كان علّةَ التَثَبُّت وَجَبَ العلمُ بنَفْيِهِ ، حتّى يُعلمَ وجودُ انتفاء التَثَبُّت ، فيجبُ الفحصُ .
وفيه نَظَرٌ ؛ لأنّ الأصلَ عدمُ وجود المانِعِ في المُسْلِم ، ولأنّ المَجْهُول لا يمكنُ الحكمُ بفِسْقِهِ ، والمرادُ من الآية الفاسِقُ .
وقال بعض العامّة : «لا يحتجُّ برواية المُبْتَدِع مُطلقا» ۱ . وقال الشافعيُّ : «يُقْبَلُ إن لم يكنْ ممّن يَسْتَحِلُّ الكذبَ لنَصْرِ مذهبه» ۲ .
وقيل : «يُقْبَلُ إنْ لم يكن داعِيَةً إلى مذهبه وبِدْعَتِهِ» ۳ ، وهو الأظهرُ عندَهم ، وقول الأكثر ، ولهذا احتجَّ صاحبا الصحيحين وغيرُهما من أئمّة الحديث عندَهم بكثيرٍ من المُبْتَدِعة غير الدُعاة .
أمّا مَنْ كَفَرَ ببِدْعةٍ ، فلا تُقْبَلُ روايتُه إجماعا منّا ومنهم ، كالغُلاة والمُجَسِّمة وشبههما .
وأمّا ترجيحُ الحَسَن عندنا على المُوثّق ، أو بالعكس ، أو التساوي ، فممّا لم يحضرني لأصحابنا فيه مَقالٌ ، وللنظر فيه مَجالٌ ۴ .

أصل : [مخالفة الحديث للدليل القطعي وموافقته]

إذا جاء الحديثُ بخلاف الدليل القاطع من الكتاب أو السُنّة أو الإجماع ، ولم يمكن تأويلُه ، ولا حملُه على بعض الوُجُوه ، وَجَبَ طَرْحُه من أيّ الأنواع كانَ ؛ لأنّ هذه الأدلّةَ تُفيدُ العِلْمَ ، والخَبَرُ لا يفيدُه ، وعلى هذا وَقَعَ الإجماعُ

1.حكاه في مقدّمة ابن الصلاح : ۹۰ .

2.في مقدّمة ابن الصلاح : ۹۱ بعد نقل هذا القول قال : «وعزا بعضهم هذا إلى الشافعي» .

3.حكاه في مقدّمة ابن الصلاح : ۹۱ .

4.في الهامش «ثمّ بَلَغَ قراءة أيّده اللّه تعالى» .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
478

ما يُرْسِلُه محمّدُ بنُ أبي عُمَير وصفوانُ بنُ يحيى والبَزَنْطيُّ ، وبينَ ما يُسْنِدُهُ غيرُهم.
الرابع : لا شُبهة عندنا في تقديم الصحيح على الحَسَنِ والمُوَثَّقِ عند التعارض إذا لم يمكن تأويلُهما ، وأمّا إذا أمكنَ تأويلُهما أو حَمْلُهما على بعض الوُجُوه ، فإنّه يجبُ عند مَنْ يعملُ بهما ، ويُرَجّحُ ذلك على طرحِهما بالكُلِّيّة ، بل قد رأينا الشيخَ الطوسيّ رحمه اللهفي مواضع متعدّدةٍ يؤوِّل الصحيحَ ويعملُ بالحَسَن أو المُوثَّق عندَ التعارُض ؛ لنوعٍ من الاعتبار أو مُساعدة بعض الأدلّة .
وأمّا إذا لم يُعارضهما صحيحٌ ، فقد قَبِلهما جماعةٌ من عُلمائنا واحتجّوا بهما ، كالشيخ ومَنْ نَهَجَ مَنْهَجَه ، سيّما إذا عَضَدَ أحدَهما روايةٌ أُخرى أو دليلٌ آخَرُ :
أمّا الحَسَنُ : فلأنّه يُثيرُ ظنّا راجِحا قريبا ممّا يُثيرُه الصحيحُ ، بل بعضُه لا يكادُ يقصرُ عنه ، كما يرويه إبراهيمُ بن هاشم ونحوه .
وأمّا المُوثَّقُ : فلأنّ نقل المَذْهب قد يُعلمُ بالفسّاق فضلاً عن المُوثّقين ، كما يعلمُ أنّ مذهبَ الشافعيّ كذا وإن لم ينقله عنه عدلٌ ، ولقول الصادق عليه السلام : «إذا نَزَلَتْ بِكُمْ حادِثَةٌ لا تَجِدُون حُكْمَها في ما يُرْوى عنّا فانْظُرُوا إلى ما رَوَوْهُ عن عليّ عليه السلامفاعْمَلُوا بِهِ» ۱ .
وقد عَمِلَت الطائفةُ بأخبار الفَطَحِيّة مثل عبد اللّه بن بُكَيْر ، والواقِفة مثل سماعة ، وعليّ بن أبي حمَزة ، وعثمان بن عيسى ، وبني فَضّال ، والطاطَرِيّين وغيرِهم ، في ما لم يكن عندهَم فيه خلافُهُ .
وقد يحتجّ للعمل به وبالحَسَن : أنّ المانعَ من العمل بخبر الفاسق فِسْقُهُ ؛ للآية ۲ ، فإذا لم يُعلم الفسقُ لم يجب التَثَبُّتُ ، كما في خبر المَجهول ، فكيفَ المُوَثَّقُ أو المَمْدُوحُ؟!
وبهذا احتجَّ مَنْ قَبِلَ المراسيلَ .

1.أخرجه الشيخ الطوسي في عدّة الأُصول ۱ : ۱۴۹ .

2.سورة الحجرات (۴۹) : ۶ .

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1382
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 9277
صفحه از 616
پرینت  ارسال به