369
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)

إسماعيل الحسينيّ رحمه اللهإلى بلاد الهند ، وبها نَشَأ ، فكانَ ممّا قال : إنَّ جعفرَ الصادقَ عليه السلاموأباهُ لا يشكُّ أحدٌ في عدالتهم واجتهادهم وغزارة علمهم ، وإنّ مذاهبَهُم كانت حقّةً ، لكنْ لم تُنْقَلْ مذاهبُهم كما نقلتْ مذاهبُ الأئمّة الأربعة ، ولم يُفرّع العلماءُ على مذاهبهم كما فرّعوا على مذاهب هؤلاء ، ولو نقلتْ مذاهبُهم لم نَشُكَّ في تصويب مَن اتّبعها .
فقلتُ له : إنْ كانَ مقصودُك أنَّ أهلَ السُنّة لم تَنْقُلْ مذاهبَهُم فهو حقٌّ ، لكنّه غيرُ قادحٍ في ما الشيعةُ عليه ؛ لأنَّ أصحابَ كلّ إمامٍ من أئمّتكم لم ينقلوا فروعَ الإمام الآخر ، ولا فرّعوا على مذهبه . وإنْ كانَ مقصودُك أنّ الشيعةَ أيضا لم ينقلوها ولم يفرّعوا عليها ، فهذا مُكابرةٌ في الضروريّات والمُشاهَدات ؛ لأنّهم أحرصُ الناس على نقل مذاهبهم والتفريع عليها ، ونقلهم مذاهبهم وتفاريعهم عليها ، ومؤلّفاتهم في ذلك أكثرُ من أن تحصى ، لا يُنكرُها ذو بصيرةٍ ؛ لأنّهم يعتقدون عِصْمَتَهم ، وأنّ ما يقولونَهُ هُوَ قولُ الرسول الذي لا ينطق عن الهوى ، لا كأهل السُنّة الذين يعتقدون أنَّ ما يقولُهُ إمامُهم بالاجتهاد ، وأنّ المجتهدَ قد يُخطئُ وقد يُصيبُ .
وأُصولُهم التي نقلُوها عنهم تزيدُ أضعافا كثيرةً عمّا نقلتموهُ عن النبيّ صلى الله عليه و آله ، وعندي منها جانبٌ إنْ شئتَ أريتُكَهُ .
فقال : نعم ، ولكنْ لهم الآنَ نحوُ ثمانمائة ، والرجالُ والوسائطُ الذين نقلوه غيرُ معروفين ، فكيفَ نحكمُ بصحّة ذلك عنهم؟
قلتُ : الجوابُ كالأوّل ؛ لأنَّ رجالَ الأئمّة عليهم السلام ومَنْ نَقَلَ عنهم إلى يومنا هذا كلّهم عندهم معروفون ، قد ألّفوا فيهم كتبا كثيرة في الجرح والتعديل ، ونقل الأسانيد ، وتقسيمها إلى الصحيح والحَسَن والمُوَثّق والضعيف ، على أكمل الوجوه ، بل علماؤُهم لا يقبلون إلاّ رواية مَنْ نُصّ على توثيقه ؛ لأنّ الشرطَ عندَهم علمُ العَدالة ، لا عدم علم الفسق كما يقوله [بعض] أهل السُنّة ، وعندي من كُتُب رجالهم شيءٌ إنْ شئتَ عرضتُهُ عليك .
فسكتَ ، ولم يجبْ بشيءٍ ۱ .

1.لم أقف على مناظرة المصنّف للفارسيّ ، وله مناظرة مع الهروي ولم نجدها أيضاً ، وله مناظرةٌ مع أحد علماء العامّة من أهل حَلَب ، أورد فيها مضمون ما هنا ، فلاحظ المناظرة المطبوعة (ص ۳۰) .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
368

ولا مباحث ؛ مع أنّهم لم يُشاهَدوا قطُّ مختلِفينَ إلى معلّمٍ ۱ ، ولا ادّعى ذلك عليهم مدّعٍ من أوليائهم ولا من أعدائهم ، بل كلّ واحدٍ منهم يُسْنِدُ عن آبائه عن رسول اللّه .
وهذا من أقوى الأدلّة على اختصاصهم بالمزايا التي يقطعُ كلُّ ذي لبٍّ بأنّها من اللّه ؛ مَيَّزَهُمْ بها عن الخلق .
ومعجزاتُهُمُ الباهراتُ وإخبارُهُم بالمُغيَّبات ، ممّا قد نقله الثِقاتُ واشتهر في كلّ الأمكنة والأوقات .

أُولئكَ آبائي فجئني بمثلهمإذا جمعتْنا يا جريرُ المجامعُ
ثمّ إنّهم ـ صلواتُ اللّه وسلامُهُ عليهم ـ مع هذه الأخلاق الطاهرة والكرامات الظاهرة والعلوم الباهرة ، يُصَوِّبُونَ شيعتَهُم في الأخذ عنهم ، والعمل بفتاواهم ، ولم يزالوا يَعِيبُونَ على غيرهم ممّن قال برأيه اعتمادا على استحسانٍ أو قياسٍ ، وينسبونهم إلى الضلال والقول في الدين بغير الحقّ ، ويستخفّون رأيَ مَنْ يأخذُ عنهم وينسبونه إلى الجهل! يعلم ذلك علما ضروريا صادرا عن النقل المتواتر .
ومن رام إنكار ذلك كان كمن رام إنكار المتواترات من سنن النبيّ صلى الله عليه و آلهوسيرته ومعجزاته .
ولا مِرْيَةَ أَنَّ النَّقَلَةَ والنقل عنهم تزيدُ أضعافا كثيرةً عمّا نُقِلَ عن كلّ واحدٍ من رؤساء العامّة ، ومَنْ أنكرَ ذلكَ كانَ كمنْ أنكرَ الضروريّات من المُشاهدات .
وإذا اعتبرَ ذو أدنى عقلٍ وإنصافٍ جَزَمَ بصحّة نسبة ما نُقِلَ عنهم إليهم ، فإنْ أنكرهُ كانَ ذلك مُكابرةً محضةً وتعصّبا صِرْفا .
وحينئذٍ نقول : الجمعُ بينَ الإجماعِ على عدالتهم وتواترِ هذا النقل عنهم ـ معَ بُطلانِهِ ـ ممّا يأباهُ العقلُ ويُبطله الاعتبارُ بالضرورة ، وباللّه التوفيقُ .
ولقد بحثتُ مع بعض فضلائهم من أهل فارس ، وكان ذا إنصافٍ شهيرٍ وفضلٍ كثيرٍ ، ولكنّه لم يكنْ يعرفُ شيئا من أحوال الشيعة أصلاً ؛ لأنّه هَرَبَ مع والده من الشاه

1.أي من يأخذون منه العلومَ الإلهيّة ، وأمّا حضور بعضهم عند الكتاتيب فهو تظاهرٌ بما يدفع عنهم ما أرصده الأعداء ، وفيه مصالح هامّة ، كما لا يخفى .

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1382
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 9617
صفحه از 616
پرینت  ارسال به