189
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)

ـ بإسْكان الميم الثانية وكسر الراء ـ (على مُصِحّ») ۱ بكسر الصاد . ومفعول «يورد» محذوف ؛ أي لا يوردُ إبلَه المِراضَ .
فالمُمْرِض : صاحبُ الإبِل [المِراض] ؛ مِن أمْرَضَ الرجلُ إذا وقعَ في ماله المرضُ . والمُصِحُّ : صاحب الإبل الصحاح .
فظاهر الخبرين الاختلاف من حيثُ دلالة الأوّل على نفي العدوى ، والثاني على إثباتها .
ووجهُ الجمع : (بحمل الأوّل على) أنّ العدوى المنفيّة عدوى (الطَبْعِ) ؛ بمعنى كون المريض يُعْدي بطبعه لا بفعل اللّه تعالى ، وهو (الذي يعتقدُه الجاهلُ) ؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه و آله وسلم : «فمن أعدى الأوّل؟!» ۲ .
(والثاني على) الإعلام بأنّ اللّه تعالى جعل ذلك سببا لذلك ، وحذّر من الضرر الذي يغلبُ وجوده عند وجوده مَعَ (أنّ المؤثّر هو اللّه تعالى) .
و مثلُه قولُه صلى الله عليه و آله : «فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسَد» ۳ ، ونهيُه عن دخول بَلَدٍ يكونُ فيه الوباء ۴ ، ونحو ذلك .
(وإلاّ) يمكنُ الجمعُ بينَهما ، فإنْ عَلِمنا أنّ أحدَهما ناسخٌ قدّمناه ؛ وإلاّ (رُجِّحَ أحدُهما بمرجّحه المقرّر في) علم (الأُصُول) من : صفة الراوي ، والرواية ، والكثرة ، وغيرها .
(وهو أهمّ فُنون علم الحديث) لأنّه يضْطرّ إليه جميعُ طوائف العلماء ، خصوصا

1.صحيح البخاري ۵ : ۲۱۷۷ / ۵۴۳۷ ، صحيح مسلم ۴ : ۱۷۴۳ ـ ۱۷۴۴ / ۲۲۲۱ كتاب السلام باب ۳۳ .

2.تقدّم لفظ الحديث في الهامش ما قبل السابق .

3.من لا يحضره الفقيه ۳ : ۳۶۳ / ۱۷۲۷ ؛ صحيح البخاري ۵ : ۲۱۵۸ ـ ۲۱۵۹ / ۵۳۸۰ ؛ المسند لأحمد بن حنبل ۳ : ۱۹۰ / ۹۴۲۹ .

4.المسند لأحمد بن حنبل ۱ : ۴۰۷ / ۱۶۶۶ : «إذا كان الوباء بأرضٍ ولستَ بها فلا تَدخلها ، وإذا كان بأرضٍ وأنت بها فلا تخرج منها» .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
188

الموصول (كما يقدّم الجرحُ على التعديل) عندَ تعارُضهما ۱ .
(و فيه) أي في هذا الدليل : (مَنْعُ الملازمة) بين تقديم الجرح على التعديل وتقديم الإرسال على الوَصْل ، (معَ وُجود الفارِقِ) بينَهما ؛ (فإنّ الجرح) إنّما (قُدِّم) على التعديل (بِسَبب زيادةِ العلم) من الجارح على المعدِّل ؛ لأنّه بُنيَ على الظاهر ، واطّلع الجارحُ على ما لم يطّلع عليه المُعدِّلُ .
(و هي) أي زيادة العلم التي أوجبتْ تقديمَ الجارِح (هُنا) أي في صورة تعارُض الإرسال والوَصْل (مع مَنْ وَصَل) لا مَعَ مَنْ أرسَلَ ؛ لأنّ مَنْ وَصَلَ اطّلعَ على أنَّ الراويَ للحديثِ فلانٌ عن فلان ... إلخ ، ومَنْ أرسَلَ لم يطّلع على ذلك كلّه ؛ فتَرَكَ بعضَ السَنَد لجهله به ، وذلك يقتضي ترجيحَ مَنْ وَصَلَ على مَنْ أرسَلَ ، كما يُقدَّمُ الجارحُ على المُعدِّل بِقَلْب الدليلِ .
(و خامس عشرها : المُخْتَلفُ) وَصْفُهُ بالاختلاف نظرا إلى صنفه لا إلى شخصه ؛ فإنّ الحديثَ الواحد نفسَه ليس بمختلف ، إنّما هو مخالِفٌ لغيره ممّا قد أدّى معناه ، كما ينبّه عليه قوله : (و هو أنْ يُوجَدَ حديثانِ متضادّانِ في المعنى ظاهرا) .
قُيّد به ؛ لأنّ الاختلافَ قد يُمكن معه الجمعُ بينَهما ، فيكون الاختلافُ ظاهرا خاصّةً ؛ وقد لا يُمكن ، فيكونُ ظاهرا وباطنا ، وعلى التقديرين فالاختلافُ ظاهرا متحقّقٌ .
(و حكمُه) أي حكم الحديث المختلف (الجمعُ بينَهما حيثُ يُمكن) الجمعُ (ولو بوجهٍ بعيدٍ) يُوجب تخصيصَ العامّ منهما ، أو تقييدَ مطلَقه ، أو حملهُ على خلاف ظاهره .
(كحديث : «لا عَدْوَى» ۲ ، وحديث : «لا يورِدُ) ـ بكسر الراء ـ (مُمْرِضٌ)

1.لاحظ الخلاصة في أُصول الحديث : ۵۸ .

2.صحيح البخاري ۵ : ۲۱۶۱ / ۵۳۸۷ و۲۱۷۷ / ۵۴۳۷ ، صحيح مسلم ۴ : ۱۷۴۲ ـ ۱۷۴۳ / ۲۲۲۰ كتاب السلام باب ۳۳ . والحديث بلفظ البخاري هكذا : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : «لا عدوى ولا صَفَرَ ولا هامَةَ» ، فقال أعرابي : يا رسول اللّه ، فما بالُ إبلي تكون في الرسل كأنّها الظباء ، فيأتي البعيرُ الأجرب فيدخل بينها فيُجرِبُها؟! فقال : «فَمَن أعدى الأوّل؟!» .

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1382
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 9609
صفحه از 616
پرینت  ارسال به