301
ضياء الشّهاب في شرح شِهاب الأخبار

أمره اللّه أن يصبر معهم بقوله : «وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِ وَ الْعَشِىِّ يُرِيدُونَ ... » ۱ .
وروي أنّ أعرابيّاً دخل المسجد على رسول اللّه فسأله عن ناقته ، فقال : خلّيتُها بباب المسجد ، وتوكّلت على اللّه في حفظها . فقال عليه السلام : «قيّدها واعقلها ثمّ توكّل» . ۲
وقال أهل التأويل : المراد فيه طمأنينة النفس في الشدّة والرخاء والإلظاظ ۳ بالدُّعاء لسوء القضاء ، والحديث أساس التوكّل وعماده .
ثمّ أمر أن لا يضيّع الإنسان عياله ؛ فقال : ابدأ ـ إذا أردت أن تحسن إلى الخلق ـ بالّذين تعولهم ، فأنعم عليهم أوّلاً ، وفضّلهم على غيرهم .
وروي : «ابدأ بنفسك ثمّ بعيالك» ۴ ؛ قال تعالى : « قُواْ أَنفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نَارًا » ۵ ، وقال : قلى يقلي [وقَلِيَ يقلى قِلىً وقَلَاءً ومقيلةً الرجُلَ] ولا يقلى ؛ أي أبغَضَ .
ومخرج ۶ قوله : «اخبُر تقله» مخرج الأمر ، ومعناه معنى الخبر ؛ يريد أنّ أكثر الناس ظاهرهم بخلاف باطنهم ؛ أي : إنّك إذا جرّبتهم وتعرّفت اُمورهم قليتهم وأبغضتهم ؛ لما يظهر لك من مساويهم . ويُروى هذا عن عليّ أيضاً .
ويحكى أنّ المأمون قال : لولا أنّ أمير المؤمنين قال : «اخبُر تَقْلِه» ، لقلت : اقْلِه تَخبُر . ۷
والهاء للاستراحة ، وقيل : لضمير المفعول ؛ أي : اخبُر من شئت تقله .
ثمّ أمر بالحزم وسوء الظنّ ، والمعنى : لا تثق بالناس إلّا قليلاً ؛ يريد : عليك أن

1.الكهف (۱۸) : ۲۸ .

2.راجع: السنن للترمذي، ج ۴، ص ۷۷، ح ۲۶۳۷؛ المسبوط للسرخسي، ج ۳۰، ص ۲۴۹. مشكاة الأنوار، ص ۵۵۳ (مع اختلاف).

3.الإلظاظ : الإلحاح على الشيء ، وألظّ به ، ومنه الملاظّة في الحرب . «كتاب العين ، ج ۸ ، ص ۱۵۱ (لظظ)» .

4.راجع: المبسوط للطوسي، ج ۶، ص ۳۱؛ عمدة القاري، ج ۹، ص ۱۲۷.

5.التحريم (۶۶) : ۶ .

6.في المخطوطة : + «و» .

7.شرح نهج البلاغة لإبن ابي الحديد ، ج ۲۰ ، ص ۸۰ .


ضياء الشّهاب في شرح شِهاب الأخبار
300

ثمّ أمر بتسكين الخلائق على الأحوال دون تنفيرهم ؛ أي سكِّنوا [الناس] في طريق الخوف والرجاء والوعد والوعيد ومعاملة الناس ، ولا تقنطوا العباد من رحمة اللّه ، ولا تنفّروهم من الرغبة إليه . ۱
وروي : «بشّروا» أي برحمة اللّه من كان تائباً من المعصية مقبلاً إلى الطاعة . ۲
وقوله : «قارِبوا وسدِّدوا» له معنيان :
أحدهما : قارِبوا الناس بأخلاقكم ، ولا تباعدوهم في ظاهر الأمر وإن كانوا على طريقة غير مرضيّة ، وسدّدوا اُموركم ؛ فقاربوا أهلَ الزمان بأبدانكم ، وزائلوهم بقلوبكم ، واجعلوها على السداد . ۳
والثاني : أنّه يعني : عليكم بالمقاربة وهو الاقتصاد في العبادة وترك الثقل على النفس بما يؤودها ويثقلها ، وعليكم بالسداد ، ولا تكلّفوا أنفسكم ما لا تطيقونه ؛ قال اللّه تعالى : « لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَا وُسْعَهَا » ۴ .
ثمّ أمر بالاقتصاد حتّى في الزيارة ؛ فإنّ الإغباب فيها من السنّة ؛ يُقال : غَبَّ الرَّجُلُ ، إذا زار بعد أيّام ، وإنّ الزائر على التواتر يُستثقل .
وفي قوله : «تَزدد حبّاً» ـ بفتح التاء ـ دلالة على أنّه خاف الملالة من أبي هريرة دون نفسه ؛ فإنّه عليه السلام كان على خُلق عظيم ۵ لا يملّ أحداً .
وقيل : لا خلاف أنّ أمره في الإغباب للتوقّي من السآمة والملالة .
وهذا الكلام منه عليه السلام مع أبي هريرة الذي قال له عمر بن الخطّاب : أما تسكت عن هذه الأكاذيب؟! ۶ إنّها لغلام الدوسي ، ۷ ولم يكن مع خيار الصحابة الذين

1.في المخطوطة: «إليك»، والمناسب ما اُثبت .

2.لم يوجد بهذه العبارة في المصادر .

3.في المخطوطة : «الساد» ، والظاهر أنّه تصحيف .

4.البقرة (۲) : ۲۸۶ .

5.لأنّ اللّه تعالى قال لرسوله : «وَ إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» «القلم (۶۸) : ۴» .

6.لم نعثر بهذه العبارة في المصادر .

7.في المخطوطة : «الروسي» ، وهو تصحيف .

  • نام منبع :
    ضياء الشّهاب في شرح شِهاب الأخبار
    سایر پدیدآورندگان :
    قطب الدین ابی الحسین سعید بن هبة الله راوندی، تحقيق: مهدی سليمانی آشتيانی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1389
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 9968
صفحه از 627
پرینت  ارسال به