قال أبو مخنف: فحدّثني قدامة بن سعد بن زائدة الثقفي: أنّ ابن زياد بعث مع ابن الأشعث ستّين أو سبعين رجلاً كلّهم من قيس، عليهم عمرو بن عبيد اللّه بن العبّاس السلمي حتّى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل، فلمّا سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال، عرف أنّه قد اُتي، فخرج إليهم بسيفه، فاقتحموا عليه الدار، فشدّ عليهم كذلك، فلمّا رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق السطوح وظهروا فوقه، فأخذوا يرمونه بالحجارة! ويلهبون النيران في أطنان القصب، ثمّ يقذفونها عليه من فوق السطوح!
فلمّا رأى ذلك قال: أ كلّما أرى من الإجلاب لقتل ابن عقيل؟ يا نفس، اخرجي إلى الموت الذي ليس منه محيص، فخرج رضوان اللّه عليه مصلتاً سيفه إلى السكّة، فقاتلهم، فأقبل عليه محمّد بن الأشعث، فقال: يا فتى، لك الأمان، لا تقتل نفسك. فأقبل يقاتلهم وهو يقول:
أَقسمتُ لا اُقتَلُ إلاّ حُرّا
وَ إِن رَأيتُ المَوتَ شيئاً نُكرا
أُخافُ أَن اُكذَب أو اُغرّا
أو يخلط البارد سخناً مُرّا
ردَّ شعاع الشَمسِ فاستَقَرّا
كلّ امرئ يوماً مُلاقٍ شَرّا
قال له محمّد بن الأشعث: إنّك لا تكذب ولا تغرّ، إنّ القوم ليسوا بقاتليك ولا ۱۰۷
ضاربيك، وقد اُثخن بالجراح وعجز عن القتال؛ فانبهر وأسند ظهره إلى دار بجنب تلك الدار، فدنا منه محمّد بن الأشعث فقال له: لك الأمان، فقال له مسلم: آمن أنا؟ قال: نعم أنت آمن، فقال القوم جميعاً: نعم غير عبيد اللّه بن العبّاس السلمي؛ لأنّه قال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وتنحّى.