قالت: ادخل، فأدخلته بيتاً في دارها، وفرشت له، وعرضت عليه العشاء، وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت، فسألها، فقالت: يا بنيّ، أله عن هذا، قال: واللّه، لتخبرنّني، وألحّ عليها، فقالت: يا بنيّ، لا تخبر به أحداً من الناس، وأخذت عليه الأيمان، فحلف لها، فأخبرته، فاضطجع وسكت.
فلمّا طال على ابن زياد، ولم يسمع أصوات أصحاب ابن عقيل قال لأصحابه: أشرفوا فانظروا، فأخذوا ينظرون، وأدلوا القناديل وأطنان القصب تشدّ بالحبال وتدلي وتلهب فيها النار، حتّى فعل ذلك بالأظلّة التي في المسجد كلّها، فلمّا لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد ففتح باب السدّة، وخرج ونادى في الناس: برئت الذمّة من رجل صلّى العتمة إلاّ في المسجد، فاجتمع الناس في ساعة، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال:
أمّا بعد؛ فإنّ ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمّة اللّه من رجل وجد في داره، ومن جاء به فله ديته، اتّقوا اللّه عباد اللّه، والزموا طاعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً. يا حصين بن تميم، ثكلتك اُمّك إن ضاع شيء من سكك الكوفة أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به! وقد سلّطتك على دور أهل الكوفة، فابعث مراصدة على أفواه السكك، وأصبح غداً فاستبرء الدور حتّى تأتي بهذا الرجل، ثمّ نزل.
فلمّا أصبح أذن للناس، فدخلوا عليه، وأقبل محمّد بن الأشعث، فقال: مرحباً بمن لا يتّهم ولا يستغشّ، وأقعده إلى جنبه.
وأصبح بلال ابن العجوز التي آوت ابن عقيل، فغدا إلى عبد الرحمن بن محمّد بن ۱۰۶
الأشعث، فأخبره بمكان ابن عقيل عند اُمّه، فأقبل عبد الرحمن حتّى أتى إلى أبيه وهو جالس، فسارّه، فقال له ابن زياد: ما قال لك؟ قال: أخبرني أنّ ابن عقيل في دار من دورنا، فنخسه ابن زياد بالقضيب في جنبه، ثمّ قال: قم فأتني به الساعة.