و تكلّم الأشراف بنحو من كلام كثير، فلمّا سمع الناس مقالتهم تفرّقوا.
قال أبو مخنف: حدّثني المجالد بن سعيد: أنّ المرأة كانت تأتي ابنها وأخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه فيقول: غدا يأتيك أهل الشام، فما تصنع بالحرب والشرّ؟ انصرف، فما زالوا يتفرّقون وينصرفون حتّى أمسى ابن عقيل وما معه إلاّ ثلاثون نفساً، حتّى صُلِّيَت المغرب فخرج متوجّهاً نحو أبواب كندة، فما بلغ الأبواب إلاّ ومعه منها عشر، ثمّ خرج من الباب فإذا ليس معه منهم إنسان، فمضى متلدّداً في أزقّة الكوفة، لا يدري أين يذهب؟ حتّى خرج إلى دور بني بجيلة من كندة، فمضى حتّى أتى باب امرأة يقال لها: طوعة اُمّ ولد كانت للأششعث وأعتقها، فتزوّج بها أسيد الحضرمي، فولدت له بلالاً، وكان بلال قد خرج مع الناس، واُمّه قائمة تنتظر، فسلّم عليها ابن عقيل، فردّت السلام، فقال لها: اسقيني ماء.
فدخلت فأخرجت إليه، فشرب، ثمّ أدخلت الإناء، وخرجت وهو جالس في مكانه، فقالت: ألم تشرب؟ قال: بلى.
قالت: فاذهب إلى أهلك، فسكت، فأعادت عليه ثلاثاً، ثمّ قالت: سبحان اللّه! يا عبداللّه، قم إلى أهلك عافاك اللّه فإنّه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا اُحلّه لك.
ثمّ قام، فقال: يا أمة اللّه، واللّه، ما لي في هذا المصر من أهل، فهل لك في ۱۰۵
معروف وأجر لعلّي اُكافئك به بعد اليوم.
قالت: يا عبداللّه وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذّبني هؤاء القوم، وغرّوني وخذلوني، قالت: أنت مسلم؟ قال: نعم.