فقال له: أحمد اللّه على لقائك فقد سرّني حبّك إيّاهم وبنصرة اللّه إيّاك حقّ أهل بيت نبيّه صلىاللهعليهوآله، ولقد ساءني معرفة الناس إيّاي بهذا الأمر قبل أن يتمّ؛ مخافة سطوة هذا الطاغية الجبّار أن يأخذ البيعة قبل أن يبرح، وأخذ عليه المواثيق الغليظة ليناصحنّ وليكتمنّ، فأعطاه من ذلك ما رضي به. ثمّ قال له: اختلف إليَّ أياماً في منزلي، فأنا أطلب لك الإذن على صاحبك، وأخذ يختلف مع الناس يطلب ذلك إليه.
ومرض شريك بن الأعور، وكان كريماً على ابن زياد، وكان شديد التشيّع، فأرسل إليه عبيد اللّه: إنّي رائح إليك العشيّة فعائدك.
فقال شريك لمسلم: إنّ هذا الفاجر عائدي العشية، فإذا جلس فاقتله، ثمّ اقعد في القصر، وليس أحد يحول بينك وبينه، فإن أنا برأت من وجعي من أيّامي هذه سرت إلى البصرة وكفيتك أمرها.
فلمّا كان العشي أقبل ابن زياد لعيادة شريك بن الأعور، فقال لمسلم: لا يفوتنّك الرّجل إذا جلس، فقام إليه هانىء فقال: إنّي لا اُحبّ أن يقتل في داري، كأنّه استقبح ذلك، فجاءه عبيد اللّه بن زياد فدخل وجلس وسأل شريكاً: ما الذي تجد ومتى اشتكيت؟ فلمّا طال سؤاله إيّاه، ورأى أنّ أحداً لا يخرج، خشي أن يفوته، فأقبل يقول:
ما الإِنتظارُ بِسَلمى أَن تُحيّوها
حَيّوا سُلَيمى وحَيّوا مَن يُحيّيها
كَأسَ المَنيّةِ بالتَعجيلِ فاسقوها
۱۰۲
للّه أبوك! اسقنيها وإن كانت فيها نفسي. قال ذلك مرّتين أو ثلاثة، فقال عبيد اللّه وهو لا يفطن: ما شأنه، أترونه يهجر؟ فقال له هانىء: نعم ـ أصلحك اللّه ـ ما زال هكذا قبل غيابة الشمس إلى ساعتك هذه.