37
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

معالم هذا الاُفق الواعد، وقارب حقيقته من خلال التصوير التالي: «اِعلموا عباد اللّه‏، أنّ المتّقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سُكنت، واُكلوها بأفضل ما أُكلت، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبّرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلّغ والمتجر الرابح».۱

يؤمن هذا الدين بأنّ الرؤية الكونية المادّية لن تستطيع أن تلبّي احتياجات الإنسان الواقعية ولو زادت في شواخص التنمية مئات الشواخص الاُخرى، ولن يكون بمقدور هذه المرجعية الفكرية أن تبلغ بالمجتمع الإنساني الذروة التي تصبو إليها. لا منجى للبشرية ولا سبيل لها إلى مقاربة حالة التنمية الشاملة إلاّ بتنفيذ منهاج الدين الإلهي المبتني على معرفة واقعية بالإنسان، والقائم على أساس حاجاته الفطرية.

على هذا الضوء تتجلّى الخصيصة الاُولى للتنمية الإسلامية بشموليّتها واستيعاب مكوّناتها للأبعاد جميعا، وهكذا تكون هذه الخصيصة بمنزلة الأساس الذي يشاد عليه بقيّة البناء، والأصل الذي ترجع إليه سائر الخصائص.

فحيث تكون التنمية في أدبيّات الفكر الاقتصادي المعاصر قصيرة المدى، محدودة في جدران الاحتياجات المادّية المنظورة، فهي في الرؤية الإسلامية ممتدّة على اُفق رحب تنطلق مع الإنسان في احتياجاته الواسعة اللاّمحدودة.

۲. هدف التنمية

حين ننطلق مع التنمية في إطار التعريف المتداول، نلمس أنّ هدف الإسلام من التنمية الاقتصادية يختلف عن الهدف الذي تتوخّاه الرؤية الكونية المادّية.

1.. انظر: ص ۴۹ سعادة الدنيا والآخرة.


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
36

اكتسب مفهوم التنمية أبعادا مختلفة وواسعة على مرّ الزمان حتّى راح يشمل في الوقت الحاضر تنمية البيئة والتنمية الإنسانية أيضا. في موازاة هذا التحوّل المفهومي شهدت معايير التنمية حالة من التحوّل والتكامل حتى بلغت شواخصها حاضرا ما يربو على المائتي شاخص، أهمّها: قيمة الدخل القومي الإجمالي، معدّل التعليم، نسبة الاشتغال، الأمل بالحياة، توزيع الدخل، عدد الأطبّاء والممرّضين وأسرّة المستشفيات والخدمات الصحيّة لكلّ ألف إنسان، إمكانية الحصول على مياه الشرب الصحّية، وهكذا.

ب ـ التنمية في الإسلام

تفحُّص تعريف التنمية بالمفهوم السائد يكشف عن استناد هذا التعريف إلى الرؤية الكونية المادّية وانتهائه إلى هذه المرجعية، فما تفهمه الإنسانية المعاصرة من التنمية لا يتخطّى تخوم التقدّم والرفاه المادّي، ولا يتجاوز ثغور هذا العالم. على أساس هذه الرؤية الكونية والمرجعية الفكرية لا يمكن للتنمية تجاوز دائرة الرفاه المادّي مهما كان حجم الشواخص التي يُضاف إليها.

بيد أنّ الأمر يختلف في إطار المرجعية الفكرية للإسلام؛ ففي إطار الرؤية الكونية الإسلامية يُنظر إلى الإنسان كموجود يتكوّن من جسم وروح، له بالإضافة إلى الاحتياجات المادّية متطلّبات معنوية، ومن ثمّ فإنّ حياته لا تنحصر بين جدران الحياة في هذه الدنيا، وإنّما هو موجود أبدي تختلف مراحل حياته. والإسلام في نفسه هو منهج للتنمية والتكامل، وبرنامج لتأمين الاحتياجات المادّية والمعنوية، ومشروع لإشباع البعدين الدنيوي والاُخروي للإنسان، بحيث تستطيع الإنسانية من خلال تنفيذ هذه الاُطروحة أن ترتقي إلى مصافّ المجتمع الإنسانيالسعيد والمثالي، تماما كما رسم الإمام‏أميرالمؤمنين عليه‏السلام

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6030
صفحه از 688
پرینت  ارسال به