311
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

موانعها وآفاتها،۱ على حين يبدو الأمر بالعكس تماما في مناخات الحضارة المادّية، وخاصّة في إطار المرتكزات الأخلاقية للتنمية الغربية. فما ذهب إليه ماكس فيبر في كتابه "الرأسمالية والأخلاق البروتستانتية": أنّ الرأسمالية الغربية مدينة في ازدهارها إلى ذيوع الأخلاق البروتستانتية التي تشيد بتراكم الثروة واكتنازها، وتحثّ الناس في هذا السبيل.

أجل، ما يبدو في الظاهر أنّ الزهد يناهض التنمية في حين أنّ الحرص والتكاثر يعينان على تحقّقها، بيد أنّ الواقع ليس كذلك. لتوضيح الأمر من الضروري إلقاء نظرة فاحصة على النقطتين التاليتين:

الاُولى: لتوضيح طبيعة العلاقة بين الزهد والتنمية، ينبغي قبل كلّ شيء تحديد مفهوم هذين المصطلحين والأهداف المتوخّاة منهما. فمن جهة إذا ما حصرنا مفهوم التنمية في نطاق نموّ الإنتاج القومي وإحراز التقدّم الفنّي والعلمي، ونظرنا إلى ذلك بوصفه الهدف الأعلى والغاية القصوى التي نرجوها، ثمّ عمدنا من جهة ثانية إلى تفسير الزهد على أساس العزوف عن الدنيا، والإحجام عن ممارسة النشاطات الاقتصادية، فلا مناص عندئذٍ من أن نعترف بأنّ الزهد ليس فقط لا يساهم في التنمية بل يعدّ من آفاتها أيضا. لكن إذا فسّرت التنمية بمعنى أنّها حالة متكاملة لازدهار طاقات الإنسان وتفجير مكنوناته في جميع مرافق الحياة، وتأمين احتياجاته المادّية والمعنوية، وأنّ الهدف منها هو بلوغ الكمال المطلق والرسوّ على السعادة الأبدية، ثمّ إذا وضع الزهد في إطار معناه الصحيح، فإنّ الزهد عندئذٍ ليس فقط لا يناهض التنمية ولا ينافيها بل يدخل في عداد مبادئها الأخلاقية، كما أخذ موقعه فعلاً في نطاق هذا الكتاب.

1.. انظر: ص ۳۷۳ المبادئ الأخلاقية وص ۴۵۳ (الموانع الأخلاقية).


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
310

الأوّل: أنّ التقوى تُسبِغ على العمل البركة، ومن ثمّ ستأتي نتائج العمل ومعطياته أعلى ممّا تمليه الحسابات الطبيعية، وبتعبير القرآن الكريم نفسه: ستهطل البركات الإلهية من السماء والأرض، وتحيط بالمجتمع من كلّ صوب.۱

الثاني: في المواقع التي لا تفي الأسباب المادّية ببلوغ المقصود وتضلّ الجهود سعيها، تطلّ التقوى على الإنسان كنافذة من الغيب وكهِبَة من السماء، فيتأمّن للإنسان رزقه بغير الطرق المادّية.

على هذا، لا تعدّ التقوى إلى جوار العمل مانعا عن التنمية الاقتصادية، بل تدخل في عداد المبادئ القيمية للتنمية أيضاً، كما جاء في متن الكتاب.

على أنّ الحكمة الإلهية قد تقتضي أحيانا أن يصل الرزق إلى إنسان من دون عمل ويجري عليه بغير جهد؛ لكي يتعرّف الناس على الرازق الحقيقي بنحوٍ أفضل أو لأيّ سبب آخر تقتضيه حكمته سبحانه.۲ مثال هذه الحالة ما تحدّث به القرآن عن السيّدة مريم: «كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ».۳

بيد أنّ هذه الحالات نادرة، وهي خاضعة للحكمة الخاصّة التي تمليها، ومن ثمّ فإنّ ضرورة العمل لا تتنافى مع إيجاد دور للتقوى في بقيّة الموارد.

۴. الزهد والتنمية

تصنّف النصوص الإسلامية الزهد وما يتّصل به على نحوٍ ما ـ كالرضا والقناعة ـ في عداد مبادئ التنمية، في المقابل تنظر إلى الحرص والتكاثر بوصفهما من

1.. «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأرْضِ» الأعراف : ۹۶.

2.. انظر: ص ۳۳۱ قد يجري بغير حيلة .

3.. آل عمران: ۳۷.

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6225
صفحه از 688
پرینت  ارسال به