301
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

أجل، لقد تشبّث اُولئك بإنكار ما لم يقع في دائرة علمهم، مع أنّهم لو تلبّثوا قليلاً لأدركوا أنّ العقل لا يسمح لهم بإنكار ما يجهلونه وما لا يعرفونه.

إنّ عدم اكتشاف التأثير المتبادل للقيم المعنوية وما يضادّها على مسار التنمية الاقتصادية، لا يمكن أن يكون دليلاً على عدم تأثيرها؛ لأنّ عدم العلم لا يصحّ دليلاً للإنكار. من هنا يفتقد إنكار دور القيم في التنمية لمرتكزه في العقل كما لا يوجد له أيّ أساس علمي، إنّما ينشأ من جهل المنكر وحسب. على ضوء الرؤية الكونية الإسلامية، تنتهي جميع الظواهر إلى علّة العلل وتؤول إلى الموجد الحقيقي، وهو اللّه‏ سبحانه؛ لا فرق بين الأسباب المادّية والمعنوية، بل يمكن في إطار هذه الرؤية أن تنبثق المعنوية من صميم المادّية وأن تنبع المادّية من أحشاء المعنوية، كما أوضحنا ذلك من قبل.۱

يمكن القول بصيغة اُخرى: إنّ تجسّد القيم الإنسانية على أرض الواقع كما يكون باعثا على التنمية السياسية والثقافية والاجتماعية، فهو يعدّ في الرؤية الكونية الإسلامية أحد مجاري الإمداد الغيبي الإلهي التي تغذّي ظاهرة التنمية الاقتصادية وتمدّها بأسباب النموّ والازدهار.

هذه مضامير الحياة مفتوحة على هذه الحقيقة الرحبة، ومن شاء فليجرّب.۲ ثمّ هذا هو المسرح التأريخي حافل بحوادث، ويضمّ بين دفّتيه ظواهر كثيرة من حياة الأفراد والاُمم لا سبيل إلى تفسيرها بالأسباب والعلل المادّية المحضة.

1.. انظر : ص ۴۰ (دور القيم المعنوية في التنمية).

2.. أستطيع أن أضرب مثالاً من تجربتي الشخصية في تنفيذ مشروع توسعة حرم السيد عبد العظيم الحسني عليه‏السلام، فقد تمّ إنجاز المشروع على نحو موفّق برغم أنّه يعدّ واحدا من المشاريع الوطنية الكبرى على صعيد إيران. لقد انطلق تنفيذ هذا المشروع من إمكانات لا تكاد تُذكر، بيد أنّه أثمر بفضل اللّه‏ سبحانه وبالتوكّل عليه، واستمداد العون من روح السيد عبد العظيم عليه‏السلام، ومن خلال التخطيط والتدبير، على ما سيأتي ذكر ذلك تفصيلاً في ذكرياتي عن سدانة ذلك الحرم الشريف، إن شاء اللّه‏.


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
300

والتكاثر ليست من موانع التنمية الاقتصادية وآفاتها وحسب، بل هي من مقدّماتها ومقوّماتها!

تُملي هذه المفارقة بيان الصلة بين هذه العناصر وعملية التنمية، قبل الولوج في النصوص الإسلامية ذات العلاقة بتحديد مبادئ التنمية الاقتصادية وموانعها وآفاتها، كما تفرض تفسير بعض العناوين خاصّة للفئة التي لا تعرف لغة القرآن والحديث وتجهل منطقهما، من خلال النقاط التالية:

۱. القيم والتنمية
لتوضيح طبيعة العلاقة القائمة بين مبادئ التنمية وموانعها وآفاتها وبين التنمية الاقتصادية من المنظور الإسلامي، من المفيد التذكير بالنقاط التالية ـ مضافا لما مرّت إليه الإشارة في مدخل الكتاب من تأثير القيم المعنوية ودورها في التنمية ـ:

أ ـ تخطّي دائرة العلم المعاصر

تبرز النقطة الاُولى في تأثير الاُمور المعنوية ودورها في التنمية الاقتصادية بتخطّي هذه العلاقة لمستوى العلم الإنساني المعاصر، ومن ثمّ لا يمكن تقديم تحليل مبدئي لمثل هذه المسائل إلاّ في إطار الرؤية الكونية. على ذلك لا ينبغي أن نترقّب من الفئات التي تعرض اُطروحاتها الاقتصادية انطلاقا من الرؤية الكونية المادّية ومرجعيّتها الفكرية والقيمية، أن تؤمن بتأثير القيم المعنوية في الاقتصاد. ما يمكن أن نقدّمه بجلاء في جواب من ينكر انفعال المادّيات وتأثّرها بالمعنويّات، هو جواب القرآن الكريم نفسه: «بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِى».۱

1.. يونس: ۳۹.

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6243
صفحه از 688
پرینت  ارسال به