أجل، لقد تشبّث اُولئك بإنكار ما لم يقع في دائرة علمهم، مع أنّهم لو تلبّثوا قليلاً لأدركوا أنّ العقل لا يسمح لهم بإنكار ما يجهلونه وما لا يعرفونه.
إنّ عدم اكتشاف التأثير المتبادل للقيم المعنوية وما يضادّها على مسار التنمية الاقتصادية، لا يمكن أن يكون دليلاً على عدم تأثيرها؛ لأنّ عدم العلم لا يصحّ دليلاً للإنكار. من هنا يفتقد إنكار دور القيم في التنمية لمرتكزه في العقل كما لا يوجد له أيّ أساس علمي، إنّما ينشأ من جهل المنكر وحسب. على ضوء الرؤية الكونية الإسلامية، تنتهي جميع الظواهر إلى علّة العلل وتؤول إلى الموجد الحقيقي، وهو اللّه سبحانه؛ لا فرق بين الأسباب المادّية والمعنوية، بل يمكن في إطار هذه الرؤية أن تنبثق المعنوية من صميم المادّية وأن تنبع المادّية من أحشاء المعنوية، كما أوضحنا ذلك من قبل.۱
يمكن القول بصيغة اُخرى: إنّ تجسّد القيم الإنسانية على أرض الواقع كما يكون باعثا على التنمية السياسية والثقافية والاجتماعية، فهو يعدّ في الرؤية الكونية الإسلامية أحد مجاري الإمداد الغيبي الإلهي التي تغذّي ظاهرة التنمية الاقتصادية وتمدّها بأسباب النموّ والازدهار.
هذه مضامير الحياة مفتوحة على هذه الحقيقة الرحبة، ومن شاء فليجرّب.۲ ثمّ هذا هو المسرح التأريخي حافل بحوادث، ويضمّ بين دفّتيه ظواهر كثيرة من حياة الأفراد والاُمم لا سبيل إلى تفسيرها بالأسباب والعلل المادّية المحضة.