فَطَبَخَهُ، وجَعَلَ يُلقِمُ الصِّبيانَ مِنَ اللَّحمِ وَالتَّمرِ وغَيرِهِ، فَكُلَّما ناوَلَ الصِّبيانَ مِن ذلِكَ شَيئا قالَ لَهُ: يا بُنَيَّ، اجعَل عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ في حِلٍّ مِمّا مَرَّ في أمرِكَ. فَلَمَّا اختَمَرَ العَجينُ قالَت: يا عَبدَ اللّهِ، سَجِّرِ التَّنّورَ، فَبادَرَ لِسَجرِهِ، فَلَمّا أشعَلَهُ ولَفَحَ في وَجهِهِ جَعَلَ يَقولُ: ذُق يا عَلِيُّ ! هذا جَزاءُ مَن ضَيَّعَ الأَرامِلَ وَاليَتامى.
فَرَأَتهُ امرَأَةٌ تَعرِفُهُ فَقالَت: وَيحَكِ ! هذا أميرُ المُؤمِنينَ. قالَ: فَبادَرَتِ المَرأَةُ وهِيَ تَقولُ: وا حَيايَ مِنكَ يا أميرَ المُؤمِنينَ ! فَقالَ: بَل وا حَيايَ مِنكِ ـ يا أمَةَ اللّهِ ـ في ما َقصَّرتُ في أمرِكِ !۱
۸۴۶.كشف اليقين: رُوِيَ أنَّهُ [أي عَلِيّاً عليهالسلام] اجتازَ لَيلَةً عَلَى امرَأَةٍ مِسكينَةٍ لَها أطفالٌ صِغارٌ يَبكونَ مِنَ الجوعِ، وهِيَ تُشاغِلُهُم وتُلهيهِم حَتّى يَناموا، وكانَت قَد أشعَلَت نارا تَحتَ قِدرٍ فيها ماءٌ لا غَيرُ، وأوهَمَتهُم أنَّ فيها طَعاما تَطبَخُهُ لَهُم، فَعَرَفَ أميرُ المُؤمِنينَ عليهالسلام حالَها، فَمَشى عليهالسلام ومَعَهُ قَنبَرٌ إلى مَنزِلِهِ، فَأَخرَجَ قَوصَرَّةَ۲ تَمرٍ وجِرابَ۳ دَقيقٍ وشَيئا مِنَ الشَّحمِ وَالأَرُزِ وَالخُبزِ، وحَمَلَهُ عَلى كَتِفِهِ الشَّريفِ، فَطَلَبَ قَنبَرٌ حَملَهُ، فَلَم يَفعَل.
فَلَمّا وَصَلَ إلى بابِ المَرأَةِ استَأذَنَ عَلَيها، فَأَذِنَت لَهُ فِي الدُّخولِ، فَأَرمى شَيئا مِنَ الأَرُزِ فِي القِدرِ ومَعَهُ شَيءٌ مِنَ الشَّحمِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن نَضجِهِ عَرَّفَهُ لِلصِّغارِ وأمَرَهُم بِأَكلِهِ، فَلَمّا شَبِعوا أخَذَ يَطوفُ بِالبَيتِ ويُبَعبِعُ لَهُم، فَأَخَذوا فِي الضِّحكِ.
1.. المناقب لابن شهرآشوب : ۲ / ۱۱۵ ، بحار الأنوار : ۴۱ / ۵۲ .
2.. هي وعاءٌ من قَصَب يُعمَل للتمر ، ويُشَدَّد ويُخفَّف لسان العرب : ۴ / ۱۲۱ .
3.. هو وِعاءٌ من إهاب [ : جلد] الشاء لا يُوعَى فيه إلاّ يابس لسان العرب : ۱ / ۲۶۱ .