27
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

في الوقت الذي كان فيه سُراة هذا الدين والأئمّة الطاهرون يحذّرون الناس من طامّة الفقر ويشدّدون عليهم النكير من مغبّة التخلّف الاقتصادي، مضوا يستجيرون باللّه‏ ويستعيذون بالكبير المتعال من نازلة الفقر.۱

مرتكزات التنمية الاقتصادية في الإسلام

العلم والإدارة والعمل والسوق والاستهلاك والدولة؛ هي ستّة مرتكزات، لكلّ واحد منها موقعه المكين ودوره المصيري الذي ينهض به في التنمية الاقتصادية.۲ لقد

1.. انظر: ص ۸۵ الاستعاذة من الفقر.

2.. اعتادت أدبيّات التنمية الاقتصادية على أن تدرس العلاقة بين العلم والنموّ الاقتصادي في إطار عناوين، مثل الاستثمار في المنابع الإنسانية، أو في نطاق التعليم والنموّ الاقتصادي. على أنّ مُنبَثق هذا البحث يعود تأريخيا إلى النصف الثاني من القرن العشرين، انطلاقا من الدراسات ذات الصلة بمصادر الإنتاج وعوامل النموّ في الدخل الوطني.
الاقتصاديون في المدرسة الفيزوقراطية وهي مدرسة تؤمن بهيمنة قوانين الطبيعة وسيطرة النظام الطبيعي على المجتمع الإنساني، وتنظر إلى الطبيعة بوصفها منشأ الثروة الذي لا ينضب. [انظر: سير انديشه اقتصادى، ص ۳۸ ـ ۴۲]، يعتقدون أنّ الأرض ومنابع الطبيعة هما مصدر الثروة ومعينها الذي لا ينفد، ومن ثم يعتقد أتباع هذه المدرسة أنّ الفلاّحين هم الطبقة الإنتاجية الوحيدة، ويهملون عمل التجّار والصنّاع والحرفيّين وذوي الأعمال الحرّة، ويعتقدون أنّه لا طائل من ورائها (انظر: سير انديشه اقتصادى ، د. باقر قديري أصلي، ط ۸ ، ص ۴۲ ـ ۴۵).
أمّا الاقتصاديون في المدرسة الكلاسيكية (الكلاسيك في الاقتصاد عنوان لمدرسة اقتصادية انبثقت في مناخات المرحلة الليبرالية. توزع هذه المدرسة اتّجاهان : يتألّف الأوّل من المتفائلين والثاني من المتشائمين، فعلى حين يذهب الكلاسيكيون المتفائلون إلى أنّ أصالة الفرد والنُظُم الاقتصادية أو المسار الطبيعي لحركة الاقتصاد يفضي إلى الرفاه وسعادة المجتمع، فإنّ الكلاسيكيين المتشائمين في الوقت الذي يذعنون فيه إلى تلك القواعد، يعتقدون أنّ إجراءها على نحو حرّ ومكشوف يفضي إلى الفقر ويؤول إلى مصيرٍ سيّء ومستقبل مظلم يكون بانتظار المجتمع الإنساني [انظر: المصدر السابق، ص ۵۲]، خاصّة مؤسّسها آدم سميث الذي يذهب إلى أنّ جهد الإنسان ونشاطاته هي مصدر الثروة بدلاً من الأرض، ومن ثَمَّ يعتقد أتباع هذه المدرسة أنّ النشاط الإنساني هو المصدر الأساسي والمادّة الأولية لأيّ مجتمع (انظر: المصدر السابق، ص ۵۷) .
بإزاء ذلك تذهب التحليلات الاقتصادية المتأخرة إلى أن قوة العمل والرصيد المادّي هما العاملان الأساسيان في الإنتاج. وحين ازدهرت في سنيّ ما بعد الحرب العالمية الثانية مباحث النموّ الاقتصادي، استند الاقتصاديون إلى هذه الرؤية، وسجّلوا ـ انطلاقا منها ـ أنّ مفتاح التنمية فيالعالم الثالث يكمن في مداه الأكبر في قوّة العمل وتراكم الرصيد المادي (انظر: سرمايه گذارى در نيروى انسانى وتوسعه اقتصادى، ترجمة وتأليف د. محمود متوسلي، ص ۲۴۳).
لقد وضعت التجربة العملية للبلدان النامية صحة هذه النظريات في دائرة الشك تدريجيا، فكثير من البلدان لا تزال تضطرم بنار التخلّف برغم أنّها تمتلك قوة عمل وافرة أو أنّها تتكئ إلى رصيد هائل من الثروات الطبيعية كالنفط مثلاً. في المقابل استطاع بلد كألمانيا اجتاحته أعاصير الحرب العالمية الثانية بما حصدته من أرواح وخسائر بشرية ودمار في البنى المادية أن يستعيد قدرته الاقتصادية في خلال أقلّ من عقد من الزمان.
هذا التفاوت في تجارب البلدان يحكي وجود عامل مجهول يكمن وراء الحيوية الاقتصادية.
لقد استطاع تيودور شولتز الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل أن يكشف عن هذا السرّ عام ۱۹۶۱م. لاحظ شولتز أنّ الناتج القومي الإجمالي في الولايات المتحدة الأمريكية سجّل نموّا يناهز ۳% سنويا خلال الأعوام ما بين ۱۹۱۹ ـ ۱۹۵۷ م، على حين أنّ النموّ في معدّلات قوة العمل والإمكانات المادّية لم يكن يسمح بتفسير ما يزيد على ثلث هذا المعدّل. هذا التفاوت قاد شولتز لكي يستنتج بأنّ العامل الأساسي الكامن وراء الزيادة التي سجّلها النموّ، يعود إلى ازدياد التراكم العلمي الحاصل للمجتمع الأمريكي.
هذه الحصيلة التي خرج بها شولتز في تفسير زيادة معدّل النمّو على أساس النموّ العلمي والتراكم المعرفي، عاد يعزّزها من خلال مقارنة حجم الاستثمار الذي خصّصته أمريكا لمجال التعليم بالقياس إلى بلدان اُخرى كاليابان وبريطانيا (انظر: المصدر السابق، ص ۲۴۴).
انتهى شولتز إلى القول: إنّ البلد الذي يعيش شعبه الاُمية لا يستطيع أن يرتقي إلى آفاق الاقتصاد الحديث في العالم المعاصر، وبعبارة اُخرى: لا يمكن للبلدان التي تحظى بدخول مرتفعة أن تكون على مستوى علمي منخفض (المصدر نفسه، ص ۲۴۳).
من جهته قدّر الاقتصادي الأمريكي المرموق دنيس.و.ت أنّ حصّة التعليم في نموّ الدخل القومي في أمريكا تصل إلى ۴۰% (رشد و توسعه، ا.ب. تيول وال، ترجمة منوچهر فرهنك وفرشيد مجاور حسيني، ص ۳۱۶) .
على حين سجّل الخبير المعروف بشؤون التنمية الاقتصادية في العالم الثالث مايكل تودارو بأنّ التعليم يمكن أن يزيد ـ بل زاد فعلاًـ في المعدّل العام للنموّ الاقتصادي، ومن ثمَّ لا يمكن إنكار دور قوة العمل المتعلمة وأنّها شرط لازم في عملية التنمية الاقتصادية المستديمة (توسعه اقتصادى در جهان سوم ، مايكل تودارو، ترجمة غلام علي فرجادي، ط۴، ج۱،ص ۵۰۵) .
عناية الاقتصاديين وكبير اهتمامهم بعنصر التعليم حاضرا لم يَعُد يقتصر على التعاطي معه كقيمة أخلاقية، بل بوصفه أحد أبرز مكوّنات التنمية الاقتصادية ذاتها، حتى بلغ الأمر حدّ الإجماع تقريبا؛ إذ لا يكاد يخلو كتاب من الكتب المختصة في التنمية الاقتصادية من تناول هذا العنصر عبر عناوين مختلفة؛ مثل التوظيف في شأن التعليم، والاستثمار في جانب المنابع الإنسانية. على الصعيد العملي صارت أغلب بلدان العالم تتمتّع بنظام التعليم المجّاني والإجباري على مستوى المرحلة الابتدائية، وعلى صعيد مراحل أعلى في بعض الأحيان.
ليس هذا فحسب، وإنّما تخطّت البلدان الصناعية المتقدّمة عتبة التعليم الرسمي، إلى إنفاق مبالغ هائلة وتخصيص ميزانيات سنوية ضخمة للدراسات والبحوث العلمية الجديدة. في هذا المضمار وصلت ميزانية أمريكا في عام ۱۹۸۸ م إلى (۱۲۶) مليار دولار، وفي اليابان إلى (۷۶) مليار دولار (سرمايه گذارى در نيروى انسانى و توسعه اقتصادى، ترجمة وتأليف: د. محمود متوسلي، ص ۲۴۳).
من مغانم هذه الدراسات ومنافعها السبق في مضمار الاكتشافات العلمية والتحلّي بمزايا العلم والمعرفة بوصفهما سلطة، ثم الاستفادة من المعطيات العظيمة والمتقدّمة لضروب التقنية الفكرية. على سبيل المثال: تصل القيمة المضافة لكل كيلو غرام من الموادّ المستهلكة في مجال إنتاج الفضائيات والتكنلوجيا المرتبطة بها إلى (۴۴) ألف دولار، على حين تنخفض هذه القيمة في مجال صناعة التلفازات الملوّنة لتصل إلى (۳۵) دولارا فقط، ثم تعود لتسجّل انخفاضا آخر على مستوى صناعة سفن الشحن والنقل البحري بحيث تصل إلى ما يساوي دولارين فقط في الكيلوغرام الواحد (مجله گزيده اقتصادى، العدد ۹۹، نقلاً عن مجلة الإكونوميست).
على نحوٍ عام يمكن القول: «ثمّة شواهد متعدّدة من تجارب البلدان المتقدّمة تؤكّد الحقيقة التي تفيد أنّ المجتمعات التي بذلت عنايتها بنوعية الطاقة الإنسانية بحيث استطاعت تربية الإنسان السليم المتخصص والمزوّد بالمهارات، نالت حظّا وافرا من ضروب التقدّم، ومن بين تلك المجتمعات حظيت تلك التي اهتمّت بالبحث العلمي والدراسات المختصة في نطاقهما العملي بشكل عام وبالدراسات في العلوم الأساسية على نحو خاص، بمكانة متميّزة وموقع بارز على صعيد ساحة توازن القوى السياسية والاقتصادية في العالم» (المصدر السابق، د. محمود متوسلي، ص ۲۴).
ملاحظات حول دور العلم في النمو الاقتصادي
لا يسع أحدا أن يشك نظريا بالعلاقة الإيجابية البنّاءة ما بين العلم والتقدّم الاقتصادي، لكن برغم ذلك لا يمكن إنكار الحقيقة المهمّة التي تفيد بأن هذه العلاقة غاية فيالتعقيد، وأنّ العثور على نظام تعليمي فاعل يكون بمقدوره أن يستبدل التراكم العلمي ويحوّل الذخيرة المعرفية إلى بضائع وخدمات مفيدة واقتصادية، هو أمر شاقّ عمليا. (انظر: المصدر السابق، د. محمود متوسلي، ص ۲۴۳).
لكن رغم ذلك وبغية تسهيل مهمة كهذه وتذليل ما يكتنفها من صعوبات، ينبغي أخذ الملاحظات التالية بنظر الاعتبار:
۱ . ضرورة الارتباط ما بين الذخيرة العلمية والتراكم الفني: بمقدور الذخيرة العلمية والمعرفية أن تسهم في النموّ الاقتصادي إذا ما تحوّلت إلى تراكم فنّي، وإلاّ لا قيمة للنمو العلمي وحده ولن يكون قادرا على تحقيق شيء في هذا المضمار. تضطلع مؤسسات البحث العلمي ومراكز الدراسات في البلدان المتقدّمة بمهمّة النهوض بهذا الارتباط والتواصل ما بين الاثنين؛ فتلك المؤسسات مطّلعة من جهة على الاحتياجات العملية، كما أنّها تواكب من جهة اُخرى أحدث المعطيات العلمية وما يفرزه العلم من جديد، ومن ثمّ يكون بمقدورها توفير النموّ المنسجم بين العلم والفنّ معا.
۲ . ضرورة التوازن ما بين التراكم العلمي والتراكم في الذخائر المادية: ليس التراكم العلمي بالأمر الهيّن الذي يتحقّق بسهولة وبلا ثمن، خاصة في البلدان التي تواجه ضائقة في الإمكانات المالية، وبالنتيجة فإنّ أيّ توظيف في المجال التعليمي وكل استثمار في مضمار التقدّم العلمي، يستلزم من جهةٍ الإنفاق المالي، كما يملي من جهةٍ اُخرى تعويق التراكم في الذخيرة المادّية، على حين أنّ مسار النموّ الاقتصادي يتطلّب توظيف الأرصدة والذخائر المادية أيضا علاوة على الطاقات الإنسانية. لذلك كله ينبغي أن ترتقي عملية الاستثمار في مجال التعليم على خطٍّ متوازٍ مع الاستثمار المالي، بحيث تتحرّك العمليتان على نسق منسجم.
۳ . تَبْيئة العلم والفن: تسعى البلدان التي لها نصيب متواضع من النموّ العلمي إلى نقل العلوم والفنون من البلدان المتقدّمة؛ بهدف تحقيق التقدّم العلمي الذي تصبو إليه. ما ينبغي ملاحظته أنّ عملية الانتقال والتحويل هذه لا يمكن أن تحقّق غرضها المنشود فيالنموّ الاقتصادي المستديم، إلاّ إذا اقترنت بإحداث تحوّل في البنية العلمية داخل البلد، وأدّت إلى تَبْيئة ظاهرة إنتاج العلم، ونجحت في إسباغ طابع وطنيّ عليه، بحيث تغدو عملية إنتاج المعرفة ظاهرة محلية على مستوى البلد، وإلاّ فإنّ محض نقل بعض المعلومات وتكديسها من دون أن تترافق مع إيجاد تحوّل في البنية العلمية لا يمكن أن يخدم النموّ الاقتصادي. في ظل أوضاعٍ كهذه سيتعذّر على علماء البلد أن يوظّفوا حصيلتهم النظرية وما تعلّموه في مضمار العمل، الأمر الذيينتهي إلى إحداث قطيعة بين التعليم والتنمية، وعدم حصول صلة بين الاثنين، بل يمكن لمثل هذا النسق التعليمي أن يطوي في أحشائه صفة مضادة للتنمية!
أحد أبرز الأضرار المترتّبة على هذا النمط من النموّ العلمي فرار العقول وهجرة الأرصدة الإنسانية الثمينة التي تأهّلت بأموال المحرومين وتربّت بثروات المستضعفين !


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
26

من‏يستفيد منها بإحسان ويستثمرها على نحوٍ سليم ؛ هي بكلمة واحدة قوام الدين والدنيا.۱

في هذا المسار يحثّ القرآن الكريم الناس إلى إعمار الأرض عبر عملهم وجهدهم المثابر، ويدعوهم إلى توظيف مواهبها وبركاتها لما ينفع حياتهم الأبدية. لقد كان الأئمّة وقادة الإسلام الكبار رادة في مضمار التنمية الاقتصادية، تراهم وهم يشحذون الهمم في العمل جدّا ومثابرةً يتضرّعون إلى ربّهم أن ينجيهم من الفاقة، وينأى بهم عن العوز الاقتصادي.۲

على الجانب الآخر من المشهد نُبصر الإسلام يذمّ التخلّف الاقتصادي، ويعدّه من ضروب البلاء والمصيبة ومن نقم اللّه‏، وعلامة سخطه ـ جلّ جلاله ـ وعدم رضاه عن المجتمع.۳

الفقر في مرآة الإسلام قمين بالذمّ، احتشدت فيه كلّ قوى الهدم والتخريب؛ فهو عامل الجهل، وسبب سوء الخلق، والباعث إلى ضروب الفساد، والبؤرة التي تنشأ عنها أنواع الاضطرابات الروحية والجسمية على الصعيد الفردي والاجتماعي، وهو إلى ذلك تهديد جدّي يطوّح بقيم المجتمعات الدينية، ويزعزع استقرارها، كالهشيم تذروه الرياح في يوم عاصف.۴

أ هناك ما هو أوقع دلالةً في بيان مفاسد الفقر من الأحاديث الشريفة، كمثل كلمات الرسول المؤتمن صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: «كاد الفقر أن يكون كفرا»؟!۵ كثيرة هي الأحاديث في هذا المعنى، تدلّ في مجموعها على أنّ من يفقد مستلزمات الحياة المادّية ولا تتأمّن له دنياه يفقد حياته المعنوية، ولا تتأمّن له اُخراه.۶

1.. انظر: ص ۶۵ بركات التقدّم الاقتصادي.

2.. انظر: ص ۱۳۶ (سيرة الأنبياء والأوصياء في طلب الرزق).

3.. انظر: ص ۷۷ فقر المجتمع من نقم اللّه‏.

4.. انظر: ص ۸۹ مضارّ التخلّف الاقتصادي.

5.. انظر: ص ۸۹ ، ح ۱۳۹ .

6.. ثمَّ في هذا المضمار جملة معروفة، هي: «من لا معاش له لا معاد له» . وهذه المقولة وإن لم تكن حديثا صادرا عن المعصومين، إلاّ أنّه يمكن تأييد مضمونها بالروايات التي تذمّ الفقر.

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5720
صفحه از 688
پرینت  ارسال به