249
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

كَلامِكَ ولَم تَحضُرهُ حُجَجُهُ. فَقالَ لَهُم: فَهاتوا حُجَجَكُم. فَقالوا لَهُ: إنَّ حُجَجَنا مِن كِتابِ اللّهِ. فَقالَ لَهُم: فَأَدلوا بِها، فَإِنَّها أحَقُّ مَا اتُّبِعَ وعُمِلَ بِهِ. فَقالوا: يَقولُ اللّهُ ـ تَبارَكَ وتَعالى ـ مُخبِرا عَن قَومٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: «وَ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَ مَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِى فَأُوْلَلءِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»۱، فَمَدَحَ فِعلَهُم، وقالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِى مِسْكِينًا وَ يَتِيمًا وَ أَسِيرًا»۲، فَنَحنُ نَكتَفي بِهذا، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الجُلَساءِ: إنّا رَأَيناكُم تَزهَدونَ فِي الأَطعِمَةِ الطَّيِّبَةِ ومَعَ ذلِكَ تَأمُرونَ النّاسَ بِالخُروجِ مِن أموالِهِم حَتّى تَمَتَّعوا أنتُم مِنها !
فَقالَ أبو عَبدِ اللّهِ عليه‏السلام: دَعوا عَنكُم ما لا تَنتَفِعونَ بِهِ، أخبِروني ـ أيُّهَا النَّفَرُ ـ ألَكُم عِلمٌ بِناسِخِ القُرآنِ مِن مَنسوخِهِ ومُحكَمِهِ مِن مُتَشابِهِهِ الَّذي في مِثلِهِ ضَلَّ مَن ضَلَّ وهَلَكَ مَن هَلَكَ مِن هذِهِ الاُمَّةِ ؟ فَقالوا لَهُ: أو بَعضُهُ، فَأَمّا كُلُّهُ فَلا، فَقالَ لَهُم: فَمِن هُنا اُتيتُم. وكَذلِكَ أحاديثُ رَسولِ اللّهِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله. فَأَمّا ما ذَكَرتُم مِن إخبارِ اللّهِ عز و جل إيّانا في كِتابِهِ عَنِ القَومِ الَّذينَ أخبَرَ عَنهُم بِحُسنِ فِعالِهِم فَقَد كانَ مُباحا جائِزا ولَم يَكونوا نُهوا عَنهُ، وثَوابُهُم مِنهُ عَلَى اللّهِ عز و جل ؛ وذلِكَ أنَّ اللّهَ ـ جَلَّ وتَقَدَّسَ ـ أمَرَ بِخِلافِ ما عَمِلوا بِهِ، فَصارَ أمرُهُ ناسِخا لِفِعلِهِم، وكانَ نَهيُ اللّهِ ـ تَبارَكَ وتَعالى ـ رَحمَةً مِنهُ لِلمُؤمِنينَ ونَظَرا ؛ لِكَي لا يَضُرّوا بِأَنفُسِهِم وعِيالاتِهِم، مِنهُمُ الضَّعَفَةُ الصِّغارُ وَالوِلدانُ وَالشَّيخُ الفاني وَالعَجوزُ الكَبيرَةُ الَّذينَ لا يَصبِرونَ عَلَى الجوعِ، فَإِن تَصَدَّقتُ بِرَغيفي ولا رَغيفَ لي غَيرَهُ ضاعوا وهَلَكوا جوعا ؛ فَمِن ثَمَّ قالَ

1.. الحشر : ۹ .

2.. الإنسان : ۸ .


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
248

ثُمَّ جَمَعَ النّاسَ وخَطَبَهُم وقالَ: ما بالُ قَومٍ حَرَّمُوا النِّساءَ وَالطّيبَ وَالنَّومَ وشَهَواتِ الدُّنيا؟! وأمّا أنَا فَلَستُ آمُرُكُم أن تَكونوا قِسِّيسينَ ورُهبانا ؛ إنَّهُ لَيسَ في ديني تَركُ اللَّحمِ وَالنِّساءِ وَاتِّخاذُ الصَّوامِعِ ؛ إنَّ سِياحَةَ اُمَّتي فِي الصَّومِ، ورَهبانِيَتَها الجِهادُ ؛ اُعبُدُوا اللّهَ ولا تُشرِكوا بِهِ شَيئا، وحُجّوا وَاعتَمِروا، وأقيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكاةَ، وصوموا شَهرَ رَمَضانَ، وَاستَقيموا يَستَقِم لَكُم، فَإِنَّما هَلَكَ مَن قَبلَكُم بِالتَّشديدِ ؛ شَدَّدوا عَلى أنفُسِهِم فَشَدَّدَ اللّهُ عَلَيهِم، فَاُولئِكَ بَقاياهُم فِي الدِّياراتِ وَالصَّوامِعِ.۱

۷۶۴.مسعدة بن صدقة: دَخَلَ سُفيانُ الثَّورِيُّ عَلى أبي عَبدِ اللّهِ عليه‏السلام فَرَأى عَلَيهِ ثِيابَ بيضٍ كَأَنَّها غِرقِئِ البَيضِ،۲ فَقالَ لَهُ: إنَّ هذَا اللِّباسَ لَيسَ مِن لِباسِكَ! فَقالَ لَهُ: اِسمَع مِنّي وعِ ما أقولُ لَكَ ؛ فَإِنَّهُ خَيرٌ لَكَ عاجِلاً وآجِلاً إن أنتَ مُتَّ عَلَى السُّنَّةِ وَالحَقِّ ولَم تَمُت عَلى بِدعَةٍ، اُخبِرُكَ أنَّ رَسولَ اللّهِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كانَ في زَمانٍ مُقفِرٍ جَدبٍ، فَأَمّا إذا أقبَلَتِ الدُّنيا فَأَحَقُّ أهلِها بِها أبرارُها لا فُجّارُها، ومُؤمِنوها لا مُنافِقوها ومُسلِموها لا كُفّارُها، فَما أنكَرتَ يا ثَورِيُّ فَوَاللّهِ إنَّني لَمَعَ ما تَرى، ما أتى عَلَيَّ مُذ عَقَلتُ صَباحٌ ولا مَساءٌ وللّه‏ِِ في مالي حَقٌّ أمَرَني أن أضَعَهُ مَوضِعا إلاّ وَضَعتُهُ.
قالَ: فَأَتاهُ قَومٌ مِمَّن يُظهِرونَ الزُّهدَ ويَدعونَ النّاسَ أن يَكونوا مَعَهُم عَلى مِثلِ الَّذي هُم عَلَيهِ مِنَ التَّقَشُّفِ، فَقالوا لَهُ: إنَّ صاحِبَنا حَصِرَ۳ عَن

1.. عوالي اللآلي : ۲ / ۱۴۹ / ۴۱۸ وراجع تفسير مجمع البيان : ۳ / ۳۶۴ و تفسير الطبري : ۵ / الجزء۷ / ۹ والدرّ المنثور : ۳ / ۱۴۱ .

2.. الغِرْقِئ : القشرة الملتزقة ببياض البيض لسان العرب : ۱۰ / ۲۸۶ .

3.. حَصِرَ الرجُلُ : عَيِيَ في منطقه . وقيل : حَصِرَ : لم يَقْدر على الكلام لسان العرب : ۴ / ۱۹۳ .

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6417
صفحه از 688
پرینت  ارسال به