ثُمَّ جَمَعَ النّاسَ وخَطَبَهُم وقالَ: ما بالُ قَومٍ حَرَّمُوا النِّساءَ وَالطّيبَ وَالنَّومَ وشَهَواتِ الدُّنيا؟! وأمّا أنَا فَلَستُ آمُرُكُم أن تَكونوا قِسِّيسينَ ورُهبانا ؛ إنَّهُ لَيسَ في ديني تَركُ اللَّحمِ وَالنِّساءِ وَاتِّخاذُ الصَّوامِعِ ؛ إنَّ سِياحَةَ اُمَّتي فِي الصَّومِ، ورَهبانِيَتَها الجِهادُ ؛ اُعبُدُوا اللّهَ ولا تُشرِكوا بِهِ شَيئا، وحُجّوا وَاعتَمِروا، وأقيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكاةَ، وصوموا شَهرَ رَمَضانَ، وَاستَقيموا يَستَقِم لَكُم، فَإِنَّما هَلَكَ مَن قَبلَكُم بِالتَّشديدِ ؛ شَدَّدوا عَلى أنفُسِهِم فَشَدَّدَ اللّهُ عَلَيهِم، فَاُولئِكَ بَقاياهُم فِي الدِّياراتِ وَالصَّوامِعِ.۱
۷۶۴.مسعدة بن صدقة: دَخَلَ سُفيانُ الثَّورِيُّ عَلى أبي عَبدِ اللّهِ عليهالسلام فَرَأى عَلَيهِ ثِيابَ بيضٍ كَأَنَّها غِرقِئِ البَيضِ،۲ فَقالَ لَهُ: إنَّ هذَا اللِّباسَ لَيسَ مِن لِباسِكَ! فَقالَ لَهُ: اِسمَع مِنّي وعِ ما أقولُ لَكَ ؛ فَإِنَّهُ خَيرٌ لَكَ عاجِلاً وآجِلاً إن أنتَ مُتَّ عَلَى السُّنَّةِ وَالحَقِّ ولَم تَمُت عَلى بِدعَةٍ، اُخبِرُكَ أنَّ رَسولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله كانَ في زَمانٍ مُقفِرٍ جَدبٍ، فَأَمّا إذا أقبَلَتِ الدُّنيا فَأَحَقُّ أهلِها بِها أبرارُها لا فُجّارُها، ومُؤمِنوها لا مُنافِقوها ومُسلِموها لا كُفّارُها، فَما أنكَرتَ يا ثَورِيُّ فَوَاللّهِ إنَّني لَمَعَ ما تَرى، ما أتى عَلَيَّ مُذ عَقَلتُ صَباحٌ ولا مَساءٌ وللّهِِ في مالي حَقٌّ أمَرَني أن أضَعَهُ مَوضِعا إلاّ وَضَعتُهُ.
قالَ: فَأَتاهُ قَومٌ مِمَّن يُظهِرونَ الزُّهدَ ويَدعونَ النّاسَ أن يَكونوا مَعَهُم عَلى مِثلِ الَّذي هُم عَلَيهِ مِنَ التَّقَشُّفِ، فَقالوا لَهُ: إنَّ صاحِبَنا حَصِرَ۳ عَن
1.. عوالي اللآلي : ۲ / ۱۴۹ / ۴۱۸ وراجع تفسير مجمع البيان : ۳ / ۳۶۴ و تفسير الطبري : ۵ / الجزء۷ / ۹ والدرّ المنثور : ۳ / ۱۴۱ .
2.. الغِرْقِئ : القشرة الملتزقة ببياض البيض لسان العرب : ۱۰ / ۲۸۶ .
3.. حَصِرَ الرجُلُ : عَيِيَ في منطقه . وقيل : حَصِرَ : لم يَقْدر على الكلام لسان العرب : ۴ / ۱۹۳ .