209
التبليغ في الكتاب و السنّة

أ. الانعكاسات السلبيّة لطلب الأجر على التبليغ

لغرض تقديم إجابة على السؤال الأوّل، وفهم الحكمة الكامنة وراء تأكيد الأنبياء على مجّانيّة التبليغ، يكفي أن نلقي نظرة على الانعكاسات السلبيّة لطلب الأجر في مقابل التبليغ:

۱. زوال الإخلاص
أوّل ركن أخلاقي لتبليغ الدين هو الإخلاص، وهذا الركن يتزعزع بسبب طلب الأجر في مقابل التبليغ، ويصبح المبلّغ مصداقاً لمن يصفهم الإمام عليّ عليه‏السلام بقوله:
«يَطلُبُ الدُّنيا بِعَمَلِ الآخِرَةَ، ولا يَطلُبُ الآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنيا».۱
وهكذا، فإنّ من كان يستطيع تحويل شؤونه الدنيويّة إلى عمل اُخروي ضمن دوافع إلهيّة خالصة۲، فعندئذٍ يمكنه أن يجعل طلب الأجر على التبليغ ـ الذي يعتبر أمراً إلهيّاً ومعنويّاً ـ كوسيلة لكسب العيش وتأمين حياته المعاشيّة، أو (طلبِ الدنيا) حسب تعبير الإمام عليّ عليه‏السلام.
وفي هذا المجال روي عن الإمام الصادق عليه‏السلام أنّه قال:
«مَنِ احتاجَ النّاسُ إلَيهِ لِيُفَقِّهَهُم في دينهِم، فَيَسأَلُهُم الاُجرَةَ، كانَ حَقيقاً عَلَى اللّهِ أن يُدخِلَهُ نارَ جَهَنَّمَ».۳

1.. نهج البلاغة : الخطبة ۳۲ ، بحار الأنوار : ۷۸ / ۵ / ۵۴ .

2.. راجع : ميزان الحكمة ، عنوان «النيّة» باب ۳۹۸۴ «الحثّ على النيّة في كلّ شيء» .

3.. عوالي اللآلي : ۴/۷۱ ، بحار الأنوار : ۲ / ۷۸ / ۶۸ .


التبليغ في الكتاب و السنّة
208

بمعنى أنّني لا اُريد منكم شيئاً في مقابل إبلاغ رسالة اللّه‏، وأنا أيضاً كسائر الأنبياء أخدم الناس بلا أجر ولا منّة، وما اُسمّيه أجراً ليس فيه ضمان لمصلحتي وإنّما هو ضمان لمصالحكم، وقصدت من هذا التعبير العاطفي الرقيق حثّكم على حفظه ؛ لكي لا تنحرفوا من بعدي عن الصراط المستقيم.

وأبدى مزيداً من التوضيح بهذا الصدد قائلاً:

«قُلْ مَآ أَسْٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ...».۱

وعلى هذا الأساس، فإنّ ما طلبه رسول الإسلام صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كأجر على إبلاغ الرسالة إنّما هو دعوة الناس إلى السير على طريق اللّه‏، الذي هو طريق القيم الدينيّة والتكامل المعنوي والمادّي للإنسان، والذي يتجسّد في القيادة الربّانيّة، وأهل بيت الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الذين هم أكمل مصاديق القادة الربّانيّين.۲

في ضوء هذه المقدّمة التي أوردناها في ما يخصّ التبليغ، تُثار التساؤلات التالية:

۱. ما هي الحكمة الكامنة وراء تأكيد الأنبياء عليهم‏السلام على عدم قبول أجرٍ لقاء إبلاغ الرسالة ؟ وفي ضوء ما مرّ علينا من سيرة الأنبياء عليهم‏السلام، هل يمكن للمبلّغين ـ الذين هم ورثتهم ـ أن يطلبوا من الناس أجراً لقاء التبليغ ؟

۲. ما حكم أخذ الأجر على التبليغ من دون طلبه ؟

۳. مع افتراض كون التبليغ مجّانياً، فكيف يمكن توفير الحاجات الاقتصاديّة للمبلّغ ؟

1.. الفرقان : ۵۷ .

2.. راجع : كتاب أهل البيت في الكتاب والسنّة ، الفصل الثالث من القسم الثامن ، وكتاب القيادة فيالإسلام : الفصل الأوّل من القسم الثاني : موقع القيادة / ب : سبيل اللّه‏ .

  • نام منبع :
    التبليغ في الكتاب و السنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 2277
صفحه از 288
پرینت  ارسال به