459
حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی

قالَ : لا .
قالَ : فَكَذلِكَ لايَصيرُ هذا حُجَّةً لِمُحَمَّدٍ لَو فَعَلَهُ عَلى نُبُوَّتِهِ ، فَما هُوَ إلّا كَقَولِكَ : لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتّى تَقومَ وتَمشِيَ عَلَى الأَرضِ [كَما يَمشِي النّاسُ] ، أو حَتّى تَأكُلَ الطَّعامَ كَما يَأكُلُ النّاسُ .
وأمّا قَولُكَ يا عَبدَاللّهِ : «أو تَكونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخيلٍ وعِنَبٍ ، فَتَأكُلَ مِنها وتُطعِمَنا ، وتُفَجِّرَ الأَنهارَ خِلالَها تَفجيرا» . أوَ لَيسَ لَكَ ولِأَصحابِكَ جَنّاتٌ مِن نَخيلٍ وعِنَبٍ بِالطّائِفِ تَأكُلونَ وتُطعِمونَ مِنها ، وتُفَجِّرونَ الأَنهارَ خِلالَها تَفجيرا ، أفَصِرتُم أنبِياءَ بِهذا ؟
قالَ : لا .
قالَ : فَما بالُ اقتِراحِكُم عَلى رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله أشياءَ لَو كانَت كَما تَقتَرِحونَ لَما دَلَّت عَلى صِدقِهِ ، بَل لَو تَعاطاها لَدَلَّ تَعاطيها عَلى كِذبِهِ ، لِأَ نَّهُ [ حِينَئِذٍ ]يَحتَجُّ بِما لا حُجَّةَ فيهِ ، ويَختَدِعُ الضُّعَفاءَ عَن عُقولِهِم وأديانِهِم ، ورَسولُ رَبِّ العالَمينَ يَجِلُّ ويَرتَفِعُ عَن هذا .
ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : يا عَبدَاللّهِ ! وأمّا قَولُكَ : «أو تُسقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمتَ عَلَينا كِسَفا ـ فَإِنَّكَ قُلتَ : وإن يَرَوا كِسْفا مِنَ السَّماءِ ساقِطا يَقولوا سَحابٌ مَركومٌ» . فَإِنَّ في سُقوطِ السَّماءِ عَلَيكُم هَلاكَكُم ومَوتَكُم ، فَإِنَّما تُريدُ بِهذا مِن رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله أن يُهلِكَكَ ورَسولُ رَبِّ العالَمينَ أرحَمُ [ بِكَ ] مِن ذلِكَ ، [ و] لا يُهلِكُكَ ، ولكِنَّهُ يُقيمُ عَلَيكَ حُجَجَ اللّهِ ، ولَيسَ حُجَجُ اللّهِ لِنَبِيِّهِ وَحدَهُ عَلى حَسَبِ اقتِراحِ عِبادِهِ ، لِأَنَّ العِبادَ جُهّالٌ بِما يَجوزُ مِنَ الصَّلاحِ ، وبِما لايَجوزُ مِنَ الفَسادِ ، وقَد يَختَلِفُ اقتِراحُهُم ويَتَضادُّ حَتّى يَستَحيلَ وُقوعُهُ ، [ إذ لَو كانَتِ اقتِراحاتُهُم واقِعَةً لَجازَ أن تَقتَرِحَ أنتَ أن تُسقَطَ السَّماءُ عَلَيكُم ، ويَقتَرِحَ غَيرُكَ أن لا تُسقَطَ عَلَيكُمُ السَّماءُ ، بَل أن تُرفَعَ الأَرضُ إلَى السَّماءِ ، وتَقَعَ السَّماءُ عَلَيها ، وكانَ ذلِكَ يَتَضادُّ ويَتَنافى ، أو يَستحيلُ


حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی
458

ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : وأمّا قَولُكَ : «لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتّى تَفجُرَ لَنا مِن الأَرضِ يَنبوعا» إلى آخِرِ ما قُلتَهُ ، فَإِنَّكَ [ قَدِ ]اقتَرَحتَ عَلى مُحَمَّدٍ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله أشياءَ :
مِنها ما لَو جاءَكَ بِهِ لَم يَكُن بُرهانا لِنُبُوَّتِهِ ، ورَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله يَرتَفِعُ عَن أن يَغتَنِمَ جَهلَ الجاهِلينَ ، ويَحتَجَّ عَلَيهِم بِما لاحُجَّةَ فيهِ .
ومِنها ما لَو جاءَكَ بِهِ كانَ مَعَهُ هَلاكُكَ ، وإنَّما يُؤتى بِالحُجَجِ وَالبَراهينِ لِيَلزَمَ عِبادَ اللّهِ الإِيمانُ بِها لا لِيَهلَكوا بِها ، فَإِنَّمَا اقتَرَحتَ هَلاكَكَ ، ورَبُّ العالَمينَ أرحَمُ بِعِبادِهِ ، وأعلَمُ بِمَصالِحِهِم من أن يُهلِكَهُم كَما يَقتَرِحونَ .
ومِنهَا المُحالُ الَّذي لا يَصِحُّ ولا يَجوزُ كَونُهُ ورَسولُ رَبِّ العالَمينَ يُعَرِّفُكَ ذلِكَ ، ويَقطَعُ مَعاذيرَكَ ، ويُضَيِّقُ عَلَيكَ سَبيلَ مُخالَفَتِهِ ، ويُلجِئُكَ بِحُجَجِ اللّهِ إلى تَصديقِهِ حَتّى لا يكونَ لَكَ عَنهُ مَحيدٌ ولا مَحيصٌ .
ومِنها ما قَدِ اعتَرَفتَ عَلى نَفسِكَ أنَّكَ فيهِ مُعانِدٌ مُتَمَرِّدٌ ، لاتَقبَلُ حُجَّةً ولا تُصغي إلى بُرهانٍ ، ومَن كانَ كَذلِكَ فَدَواؤُهُ عَذابُ اللّهِ النّازِلُ مِن سَمائِهِ ، أو في جَحيمِهِ ، أو بِسُيوفِ أولِيائِهِ .
فَأَمّا قَولُكَ يا عَبدَاللّهِ : «لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتّى تَفجُرَ لَنا مِنَ الأَرضِ يَنبوعا بِمَكَّةَ هذِهِ ، فَإِنَّها ذاتُ أحجارٍ وصُخورٍ وجِبالٍ ، تَكسَحُ أرضَها وتَحفِرُها ، وتَجري فيهَا العُيونَ ، فَإِنَّنا إلى ذلِكَ مُحتاجونَ» . فَإِنَّكَ سَأَلتَ هذا وأنتَ جاهِلٌ بِدَلائِلِ اللّهِ تَعالى .
يا عَبدَاللّهِ ! أرَأَيتَ لَو فَعَلتُ هذا ، أكُنتُ مِن أجلِ هذا نَبِيّا ؟ قالَ : لا .
قالَ رَسولُ اللّهِ : أرَأَيتَ الطّائِفَ الَّتي لَكَ فيها بَساتينُ ؟ أما كانَ هُناكَ مَواضِعَ فاسِدَةً صَعبَةً أصلَحتَها وذَلَّلتَها وكَسَحتَها وأجرَيتَ فيها عُيونا اِستَنبَطتَها ؟ قالَ : بَلى . قالَ : وهَل لَكَ في هذا نُظَراءُ ؟
قالَ : بَلى .
قالَ : أفَصِرتَ بِذلِكَ أنتَ وهُم أنبِياءَ ؟

  • نام منبع :
    حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی
    سایر پدیدآورندگان :
    لجنةٍ من المحققين
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    02/01/1387
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 7900
صفحه از 686
پرینت  ارسال به