457
حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی

خِلافِ مُرادِهِ ولا إلزامُهُ تَفَضُّلاً ، لِأَ نَّهُ تَفَضَّلَ قَبلَهُ بِنِعَمِهِ .
ألا تَرى ـ يا عَبدَاللّهِ ! ـ كَيفَ أغنى واحِدا وقَبَّحَ صورَتَهُ ؟ وكَيفَ حَسَّنَ صورَةَ واحِدٍ وأفقَرَهُ ؟ وكَيفَ شَرَّفَ واحِدا وأفقَرَهُ ؟ وكَيفَ أغنى واحِدا ووَضَعَهُ ؟ ثُمَّ لَيسَ لِهذَا الغَنِيِّ أن يَقولَ : هَلّا اُضيفَ إلى يَساري جَمالُ فُلانٍ ؟ ولا لِلجَميلِ أن يَقولَ : هَلّا اُضيفَ إلى جِمالي مالُ فُلانٍ ؟ ولا لِلشَّريفِ أن يَقولَ : هَلّا اُضيفَ إلى شَرَفي مالُ فُلانٍ ؟ ولا لِلوَضيعِ أن يَقولَ : هَلّا اُضيفَ إلى ضَعَتي شَرَفُ فُلانٍ ؟
ولكِنَّ الحُكمَ للّهِِ ، يُقَسِّمُ كَيفَ يَشاءُ ويَفعَلُ كَما يَشاءُ ، وهُوَ حَكيمٌ في أفعالِهِ ، مَحمودٌ في أعمالِهِ ، وذلِكَ قَولُهُ تَعالى : « وَ قَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَـذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » ـ قالَ اللّهُ تَعالى : « أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ـ يا مُحَمَّد ـ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوهِ الدُّنْيَا» فَأَحوَجَنا بَعضا إلى بَعضٍ ، أحوَجَ هذا الرجل إلى مالِ ذلِكَ ، وأحوَجَ ذلِكَ إلى سِلعَةِ هذا أو إلى خِدمَتِهِ . فَتَرى أجَلَّ المُلوكِ وأغنَى الأَغنِياءِ مُحتاجا إلى أفقَرِ الفُقَراءِ في ضَربٍ مِنَ الضُّروبِ : إمّا سِلعَةٍ مَعَهُ لَيسَت مَعَهُ ، وإمّا خِدمَةٍ يَصلَحُ لَها ، لايَتَهَيَّأُ لِذلِكَ المَلِكِ أن يَستَغنِيَ إلّا بِهِ ، وإمّا بابٍ مِنَ العُلومِ وَالحِكَمِ ، هُوَ فَقيرٌ إلى أن يَستَفيدَها مِن هذَا الفَقيرِ ، فَهذَا الفَقيرُ يَحتاجُ إلى مالِ ذلِكَ المَلِكِ الغَنِيِّ ، وذلِكَ المَلِكُ يَحتاجُ إلى عِلمِ هذَا الفَقيرِ ، أو رَأيِهِ ، أو مَعرِفَتِهِ .
ثُمَّ لَيسَ لِلمَلِكِ أن يَقولَ : هَلَا اجتَمَعَ إلى مالي عِلمُ هذَا الفَقيرِ ؟ ولا لِلفَقيرِ أن يَقولَ : هَلَا اجتَمَعَ إلى رَأيي وعِلمي وما أتَصَرَّفُ فيهِ مِن فُنونِ الحِكَمِ مالُ هذَا المَلِكِ الغَنِيِّ ؟
ثُمَّ قالَ اللّهُ تَعالى : « وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا » ثُمَّ قالَ : يا مُحَمَّدُ قُل لَهُم ـ : « وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ » ۱ أي ما يَجمَعُهُ هؤُلاءِ مِن أموالِ الدُّنيا .

1.الزخرف : ۳۱ و ۳۲ .


حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی
456

القَولِ ، أو سَفَها مِنَ الرَّأيِ؟ أتَظُنّونَ أنَّ رَجُلاً يَعتَصِمُ طولَ هذِهِ المُدَّةِ بِحَولِ نَفسِهِ وقُوَّتِها ، أو بِحَولِ اللّهِ وقُوَّتِهِ ؟ وذلِكَ ما قالَ اللّهُ تَعالى : « انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَـلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً » ۱ إلى أن يُثبِتوا عَلَيكَ عَمًى بِحُجَّةٍ أكثَرَ مِن دَعاويهِمُ الباطِلَةِ الَّتي تَبَيَّنَ عَلَيكَ تَحصيلُ بُطلانِها .
ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : وأمّا قَولُكَ : «لَولا نُزِّلَ هذَا القُرآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَريَتَينِ عَظيمٍ ، الوَليدِ بنِ المُغيرَةِ بِمَكَّةَ أو عُروَة [بنِ مَسعودٍ الثَّقَفِيِّ] بِالطّائِفِ» . فَإِنَّ اللّهَ تَعالى لَيسَ يَستَعظِمُ مالَ الدُّنيا كَما تَستَعظِمُهُ أنتَ ، ولا خَطَرَ لَهُ عِندَهُ كَما لَهُ عِندَكَ ، بَل لَو كانَتِ الدُّنيا عِندَهُ تَعدِلُ جَناحَ بَعوضَةٍ لَما سَقى كافِرا بِهِ مُخالِفا لَهُ شَربَةَ ماءٍ ، ولَيسَ قِسمَةُ رَحمَةِ اللّهِ إلَيكَ ، بَل اللّهُ هُوَ القاسِمُ لِلرَّحَماتِ ، وَالفاعِلُ لِما يَشاءُ في عَبيدِهِ وإمائِهِ ، ولَيسَ هُوَ عز و جل مِمَّن يَخافُ أحَدا كَما تَخافُهُ أنتَ لِمالِهِ وحالِهِ ، فَعَرَفتَهُ بِالنُّبُوَّةِ لِذلِكَ ، ولا مِمَّن يَطمَعُ في أحَدٍ في مالِهِ أو في حالِهِ كَما تَطمَعُ [أنتَ] فَتَخُصُّهُ بِالنُّبُوَّةِ لِذلِكَ ، ولا مِمّن يُحِبُّ أحَدا مَحَبَّةَ الهَواءِ كَما تُحِبُّ أنتَ ، فَتُقَدِّمُ مَن لايَستَحِقُّ التَّقديمَ . وإنّما مُعامَلَتُهُ بِالعَدلِ ، فَلا يُؤثِرُ أحَدا لِأَفضَلِ مَراتِبِ الدّينِ وخِلالِهِ ، إلَا الأَفضَلَ في طاعَتِهِ والأَجَدَّ في خِدمَتِهِ ، وكَذلِكَ لا يُؤَخِّرُ في مَراتِبِ الدّينِ وخِلالِهِ إلّا أشَدَّهُم تَباطُؤا عَن طاعَتِهِ .
وإذا كانَ هذا صِفَتَهُ لَم يَنظُر إلى مالٍ ولا إلى حالٍ ، بَل هذَا المالُ وَالحالُ مِن تَفَضُّلِهِ ، ولَيسَ لِأَحدٍ مِن عِبادِهِ عَلَيهِ ضَربَةُ لازِبٍ ۲ فَلا يُقالُ لَهُ : إذا تَفَضَّلتَ بِالمالِ عَلى عَبدٍ فَلابُدَّ [مِن ]أن تَتَفَضَّلَ عَلَيهِ بِالنُّبُوَّةِ أيضا ، لِأَ نَّهُ لَيسَ لِأَحَدٍ إكراهُهُ عَلى

1.الفرقان : ۹ .

2.اللازب : الثابت الشديد الثبوت ، ويعبّر باللازب عن الواجب ، فيقال : ضربة لازب (مفردات ألفاظ القرآن : ص ۷۳۹) ، وفي بعض النسخ «ضريبة» بدل «ضربة» .

  • نام منبع :
    حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی
    سایر پدیدآورندگان :
    لجنةٍ من المحققين
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    02/01/1387
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 8336
صفحه از 686
پرینت  ارسال به