449
حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی

فَقالوا : نَعَم .
قالَ : أفَلا تَعلَمونَ أنَّكُم مِن حَيثُ تُعَظِّمونَ اللّهَ بِتَعظيمِ صُوَرِ عِبادِهِ المُطيعينَ لَهُ ، تَزرونَ عَلى رَبِّ العالَمينَ ؟
قالَ : فَسَكَتَ القَومُ بَعدَ أن قالوا : سَنَنظُرُ في اُمورِنا .
ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله لِلفَريقِ الثّالِثِ : لَقَد ضَرَبتُم لَنا مَثَلاً ، وشَبَّهتُمونا بِأَنفُسِكُم ولَسنا سِواءً ، وذلِكَ أنّا عِبادُ اللّهِ مَخلوقونَ مَربوبونَ ، نَأتَمِرُ لَهُ فيما أمَرَنا ، ونَنزَجِرُ عَمّا زَجَرَنا ، ونَعبُدُهُ مِن حَيثُ يُريدُهُ مِنّا ، فَإِذا أمَرَنا بِوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ أطَعناهُ ، ولَم نَتَعَدَّ إلى غَيرِهِ مِمّا لَم يَأمُرنا [بِهِ] ، ولَم يَأذَن لَنا ، لِأَنّا لا نَدري لَعَلَّهُ إن أرادَ مِنَّا الأَوَّلَ فَهُوَ يَكرَهُ الثّانِيَ ، وقَد نَهانا أن نَتَقَدَّمَ بَينَ يَدَيهِ ، فَلَمّا أمَرَنا أن نَعبُدَهُ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الكَعبَةِ أطَعناهُ ، ثُمَّ أمَرَنا بِعِبادَتِهِ بِالتَّوَجُّهِ نَحوَها في سائِرِ البُلدانِ الَّتي نَكونُ بِها فَأَطَعناهُ ، ولَم نَخرُج في شَيءٍ مِن ذلِكَ مِنِ اتِّباعِ أمرِهِ ، وَاللّهُ عز و جل حَيثُ أمَرَ بِالسُّجودِ لِادَمَ لَم يَأمُر بِالسُّجودِ لِصورَتِهِ الَّتي هِيَ غَيرُهُ ، فَلَيسَ لَكُم أن تَقيسوا ذلِكَ عَلَيهِ ، لِأَنَّكُم لا تَدرونَ لَعَلَّهُ يَكرَهُ ما تَفعَلونَ إذ لَم يَأمُركُم بِهِ!
ثُمَّ قالَ لَهُم رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : أرَأَيتُم لَو أذِنَ لَكُم رَجُلٌ دُخولَ دارِهِ يَوما بِعَينِهِ ، ألَكُم أن تَدخُلوها بَعدَ ذلِكَ بِغَيرِ أمرِهِ ؟ أوَلَكُم أن تَدخُلوا دارا لَهُ اُخرى مِثلَها بِغَيرِ أمرِهِ ؟ أو وَهَبَ لَكُم رَجُلٌ ثَوبا مِن ثِيابِهِ ، أو عَبدا مِن عَبيدِهِ ، أو دابَّةً مِن دَوابِّهِ ، ألَكُم أن تَأخُذوا ذلِكَ ؟
قالوا : نَعَم .
قالَ : فَإِن لَم تَأخُذوهُ ألَكُم أخذُ آخَرَ مِثلِهِ ؟ قالوا : لا ، لِأَ نَّهُ لَم يَأذَن لَنا فِي الثّاني كَما أذِنَ فِي الأَوَّلِ .
قالَ صلى الله عليه و آله : فَأَخبِروني ، اللّهُ أولى بِأَن لا يُتَقَدَّمَ عَلى مُلكِهِ بِغَيرِ أمرِهِ أو بَعضُ


حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی
448

هذِهِ الصُّوَرَ نُعَظِّمُها لِتَعظيمِنا لِتِلكَ الصُّوَرِ الَّتي حَلَّ فيها رَبُّنا ـ فَقَد وَصَفتُم رَبَّكُم بِصِفَةِ المَخلوقاتِ ، أوَيَحِلُّ رَبُّكُم في شَيءٍ حَتّى يُحيطَ بِهِ ذلِكَ الشَّيءُ ؟! فَأَيُّ فَرقٍ بَينَهُ إذا وبَينَ سائِرِ ما يَحِلُّ فيهِ مِن لَونِهِ وطَعمِهِ ورائِحَتِهِ ولينِهِ وخُشونَتِهِ وثِقلِهِ وخِفَّتِهِ ؟ ولِمَ صارَ هذَا المَحلولُ فيهِ مُحدَثا وذلِكَ قَديما ، دونَ أن يَكونَ ذلِكَ مُحدَثا وهذا قَديما ، وكَيفَ يَحتاجُ إلَى المَحالِ مَن لَم يَزَل قَبلَ المَحالِ ، وهُوَ عز و جل لا يَزالُ كَما لَم يَزَل ؟ وإذا وَصَفتُموهُ بِصِفَةِ المُحدَثاتِ فِي الحُلولِ ، فَقَد لَزِمَكُم أن تَصِفوهُ بِالزَّوالِ [وَالحُدوثِ] ! وإذا وَصَفتُموهُ بِالزَّوالِ وَالحُدوثِ ، وَصَفتُموهُ بِالفَناءِ! لِأَنَّ ذلِكَ أجمَعُ مِن صِفاتِ الحالِّ وَالمَحلولِ فيهِ ، وجَميعُ ذلِكَ يُغَيِّرُ الذّاتَ ، فَإِن كانَ لَم يَتَغَيَّر ذاتُ الباري تَعالى بِحُلولِهِ في شَيءٍ ، جازَ أن لا يَتَغَيَّرَ بِأَن يَتَحَرَّكَ ويَسكُنَ ويَسوَدَّ ويَبيَضَّ ويَحمَرَّ ويَصفَرَّ ، وتَحِلَّهُ الصِّفاتُ الَّتيتَتَعاقَبُ عَلَى المَوصوفِ بِها ، حَتّى يكونَ فيهِ جَميعُ صِفاتِ المُحدَثينَ ، ويَكون مُحدَثا ـ عَزَّ اللّهَ تَعالى عَن ذلِكَ .
ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : فَإِذا بَطَلَ ما ظَنَنتُموهُ مِن أنَّ اللّهَ يَحِلُّ في شَيءٍ ، فَقَد فَسَدَ ما بَنَيتُم عَلَيهِ قَولَكُم .
قالَ : فَسَكَتَ القَومُ وقالوا : سَنَنظُرُ في اُمورِنا .
ثُمَّ أقبَلَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله عَلَى الفَريقِ الثّاني فَقالَ [لَهُم] : أخبِرونا عَنكُم إذا عَبَدتُم صُوَرَ مَن كانَ يَعبُدُ اللّهَ فَسَجَدتُم لَهَا وصَلَّيتُم ، فَوَضَعتُمُ الوُجوهَ الكَريمَةَ عَلَى التُّرابِ ـ بِالسُّجودِ لَها ـ فَمَا الَّذي أبقَيتُم لِرَبِّ العالَمينَ ؟ أما عَلِمتُم أنَّ مِن حَقِّ مَن يَلزَمُ تَعظيمُهُ وعِبادَتُهُ أن لا يُساوى بِهِ عَبدُهُ ؟ أرَأَيتُم مَلِكا أو عَظيما إذا ساوَيتُموهُ بِعَبيدِهِ فِي التَّعظيمِ وَالخُشوعِ وَالخُضوعِ ، أيَكونُ في ذلِكَ وَضعٌ مِن حَقِّ الكَبيرِ كَما يَكونُ زِيادَةٌ في تَعظيمِ الصَّغيرِ ؟

  • نام منبع :
    حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی
    سایر پدیدآورندگان :
    لجنةٍ من المحققين
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    02/01/1387
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 8590
صفحه از 686
پرینت  ارسال به