۵.الإمام الصادق عليه السلام :لا يَستَغني أهلُ كُلِّ بَلَدٍ عَن ثَلاثَةٍ ـ يَفزَعُ إلَيهِم فِي أمرِ دُنياهُم وآخِرَتِهِم ، فَإِن عَدِموا ذلِكَ كانوا هَمَجاًـ: فَقيهٍ عالِمٍ وَرِ عٍ ، وأميرٍ خَيِّرٍ مُطاعٍ ، وطَبيبٍ بَصيرٍ ثِقَةٍ . ۱
۱ / ۲
مَعرِفَةُ الأنِبياءِ وَالأَئِمَّةِ بِعِلمِ الطِّبِّ
۶.فرج المهموم :رَأَيتُ فِي رِسالَةِ أبي إسحاقَ الطَّرسوسيِّ إلى عَبدِ اللّهِ بنِ مالِكٍ فِي بابِ مَعرِفَةِ أصلِ العِلمِ ما هذا لَفظُهُ : إنَّ اللّهَ ـ تَبارَكَ وتَعالى ـ أهبَطَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ وعَرَّفَهُ عِلمَ كُلِّ شَيءٍ ، فَكان مِمّا عَرَّفَهُ النُّجومُ وَالطِّبُّ . ۲
۷.علل الشرائع عن الربيع صاحب المنصور :حَضَرَ أبو عَبدِ اللّهِ عليه السلام مَجلِسَ المَنصورِ يَوما وعِندَهُ رَجُلٌ مِنَ الهِندِ يَقرَأُ كُتُبَ الطِّبِّ ، فَجَعَلَ أبو عَبدِ اللّهِ عليه السلام يُنصِتُ لِقِراءَتِهِ ، فَلَمّا فَرَغَ الهِندِيُّ ، قالَ لَهُ : يا أبا عَبدِ اللّهِ ، أتُريدُ مِمّا مَعِيَ شَيئا ؟
قالَ : لا ، فَإِنَّ مَعي ما هُوَ خَيرٌ مِمّا مَعَكَ .
قالَ : وما هُوَ ؟
قالَ : اُداوِي الحارَّ بِالبارِدِ ، وَالبارِدَ بِالحارِّ ، وَالرَّطبَ بِاليابِسِ ، وَاليابِسَ بِالرَّطبِ ، وأرَدُّ الأَمرَ كُلَّهُ إلَى اللّهِ عز و جل ، وأستَعمِلُ ما قالَهُ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، وأعلَمُ أنَّ المَعِدَةَ بَيتُ الدّاءِ ، وأنَّ الحِميَةَ هِيَ الدَّواءُ ، واُعَوِّدُ البَدَنَ مَا اعتادَ .
فَقالَ الهِندِيُّ : وهَلِ الطِّبُّ إلاّ هذا ؟
فَقالَ الصّادِقُ عليه السلام : أفَتَراني مِن كُتُبِ الطِّبِّ أخَذتُ ؟
قالَ : نَعَم .
قالَ : لا وَاللّهِ ، ما أخَذتُ إلاّ عَنِ اللّهِ سُبحانَهُ . فَأَخبِرني أنَا أعلَمُ بِالطِّبِّ أم أنتَ ؟
قالَ الهِندِيُّ : لا ، بَل أنَا .
قالَ الصّادِقُ عليه السلام : فَأَسأَ لُكَ شَيئا؟
قالَ : سَل .
قالَ : أخبِرني يا هِندِيُّ ، لِمَ كانَ فِي الرَّأسِ شُؤونٌ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ جُعِلَ الشَّعرُ عَلَيهِ مِن فَوقٍ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ خَلَتِ الجَبهَةُ مِنَ الشَّعرِ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ كانَ لَها تَخطيطٌ وأساريرُ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ كانَ الحاجِبانِ مِن فَوقِ العَينَينِ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ جُعِلَتِ ۳
العَينانِ كَاللَّوزَتَينِ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ جُعِلَ الأَنفُ فيما بَينَهُما ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ كانَ ثَقبُ الأَنفِ في أسفَلِهِ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ جُعِلَتِ الشَّفَةُ وَالشّارِبُ مِن فَوقِ الفَمِ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ احتَدَّ السِّنُّ ، وعَرُضَ الضِّرسُ ، وطالَ النّابُ ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ جُعِلَتِ اللِّحيَةُ لِلرِّجالِ ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ خَلَتِ الكَفّانِ مِنَ الشَّعرِ ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ خَلاَ الظُّفرُ وَالشَّعرُ مِنَ الحَياةِ ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ كانَ القَلبُ كَحَبِّ الصَّنَوبَرَةِ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فلِمَ كانَتِ ۴ الرِّئَةُ قِطعَتَينِ ، وجُعِلَ حَرَكَتُها في مَوضِعِها ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ كانَتِ الكَبِدُ حَدباءَ ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ كانَتِ الكُليَةُ كَحَبِّ اللّوبِيا ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ جُعِلَ طَيُّ الرُّكبَةِ إلَى الخَلفِ ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
قالَ : فَلِمَ تَخَصَّرَتِ القَدَمُ ؟
قالَ : لا أعلَمُ .
فَقالَ الصّادِقُ عليه السلام : لكِنّي أعلَمُ !
قالَ : فَأَجِب .
فَقالَ الصّادِقُ عليه السلام : كانَ فِي الرَّأسِ شُؤونٌ ؛ لِأَنَّ المُجَوَّفَ إذا كانَ بِلا فَصلٍ أسرَعَ إلَيهِ الصُّداعُ ، فَإِذا جُعِلَ ذا فُصولٍ كانَ الصُّداعُ مِنهُ أبعَدَ .
وجُعِلَ الشَّعرُ مِن فَوقِهِ ؛ لِيوصِلَ بِوُصولِهِ الأَدهانَ إلَى الدِّماغِ ؛ ويُخرِجَ بِأَطرافِهِ البُخارَ مِنهُ ؛ ويَرُدَّ عَنهُ الحَرَّ وَالبَردَ الوارِدَينِ عَلَيهِ .
وخَلَتِ الجَبهَةُ مِنَ الشَّعرِ ؛ لِأَ نَّها مَصَبُّ النُّورِ إلَى العَينَين . وجُعِلَ فيهَا التَّخطيطُ وَالأَساريرُ ؛ لِيَحبِسَ العَرَقَ الوارِدَ مِنَ الرَّأسِ عَنِ العَينِ قَدرَ ما يُميطُهُ ۵ الإِنسانُ عَن نَفسِهِ ؛ كَالأَنهارِ فِي الأَرضِ الَّتي تَحبِسُ المِياهَ .
وجُعِلَ الحاجِبانِ مِن فَوقِ العَينَينِ ؛ لِيورِدا عَلَيهِما مِنَ النّورِ قَدرَ الكِفايَةِ ، ألاتَرى ـ يا هِندِيُّ ـ أنَّ مَن غَلَبَهُ النّورُ جَعَلَ يَدَهُ عَلى عَينَيهِ لِيَرِدَ عَلَيهِما قَدرُ كِفايَتهِما مِنهُ ؟
وجُعِلَ الأَنفُ فيما بَينَهُما ؛ لِيُقَسِّمَ النّورَ قِسمَينِ إلى كُلِّ عَينٍ سَواءً .
وكانَتِ العَينُ كَاللَّوزَةِ ؛ لِيَجرِيَ فيهَا الميلُ بِالدَّواءِ ويَخرُجَ مِنهَا الدّاءُ ، ولَو كانَت مُرَبَّعَةً أو مُدَوَّرَةً ماجَرى فيهَا الميلُ ؛ وما وَصَلَ إلَيها دَواءٌ ، ولا خَرَجَ مِنها داءٌ .
وجُعِلَ ثَقبُ الأَنفِ في أسفَلِهِ ؛ لِيَنزِلَ مِنهُ الأَدواءُ المُنحَدِرَةُ مِنَ الدِّماغِ ، وتَصعَدَ فيهِ الرَّوائِحُ إلَى المَشامِّ ، ولَو كانَ في أعلاهُ ؛ لَما أنزَلَ داءً ولا وَجَدَ رائِحَةً .
وجُعِلَ الشّارِبُ وَالشَّفَةُ فَوقَ الفَمِ ؛ لِيَحبِسَ ما يَنزِلُ مِنَ الدِّماغِ عَنِ الفَمِ ، لِئَلاّ يَتَنَغَّصَ عَلَى الإِنسانِ طَعامُهُ وشَرابُهُ فَيُميطَهُ عَن نَفسِهِ .
وجُعِلَتِ اللِّحيَةُ لِلرِّجالِ ؛ لِيَستَغنِيَ بِها عَنِ الكَشفِ فِي المَنظَرِ ، ويُعلَمَ بِهَا الذَّكَرُ مِنَ الاُنثى .
وجُعِلَ السِّنُّ حادّاً ؛ لِأَنَّ بِهِ يَقَعُ العَضُّ ، وجُعِلَ الضِّرسُ عَريضاً ؛ لِأَنَّ بِهِ يَقَعُ الطَّحنُ وَالمَضغُ ، وكانَ النّابُ طَويلاً ؛ لِيَشتَدَّ ۶ الأَضراسُ وَالأَسنانُ كَالاُسطُوانَةِ في البِناءِ .
وخَلاَ الكَفّانِ مِنَ الشَّعرِ ؛ لِأَنَّ بِهِما يَقَعُ اللَّمسُ ، فَلَو كانَ بِهِما شَعرٌ ما دَرَى الإنسانُ ما يُقابِلُهُ ويَلمَسُهُ .
وخَلاَ الشَّعرُ وَالظُّفرُ مِنَ الحَياةِ ؛ لِأَنَّ طولَهُما وَسِخٌ يَقبُحُ ، وقَصَّهُما حَسَنٌ ، فَلَو كانَ فيهِما حَياةٌ ؛ لَأَلِمَ الإِنسانُ لِقَصِّهِما .
وكانَ القَلبُ كَحَبِّ الصَّنَوبَرِ ؛ لِأَ نَّهُ مُنَكَّسٌ ، فَجُعِلَ رأسُهُ دَقيقا ۷ ؛ لِيَدخُلَ في الرِّئَةِ فَتُرَوِّحَ ۸ عَنهُ بِبَردِها ، لِئَلاّ يَشيطَ الدِّماغُ بِحَرِّهِ .
وجُعِلَتِ الرِّئَةُ قِطعَتَينِ ؛ لِيدخُلَ في مَضاغِطِها فَتُرَوِّحَ عَنهُ بِحَرَكَتِها .
وكانَتِ الكَبِدُ حَدباءَ ؛ لِتُثقِلَ المَعِدَةَ وتَقَعَ جَميعُها عَلَيها ، فَتَعصِرَها فَيَخرُجَ ما فيها مِنَ البُخارِ .
وجُعِلَتِ الكُليَةُ كَحَبِّ اللّوبِيا ؛ لِأَنَّ عَلَيها مَصَبَّ المَنِيِّ نُقطَةً بَعدَ نُقطَةٍ ، فَلَو كانَت مُرَبَّعَةً أو مُدَوَّرَةً ؛ لاَحتَبَسَتِ النُّقطَةُ الاُولَى الثّانِيَةَ فَلاَ يَلتَذُّ بِخُروجِهَا الحَيُّ ، إذا ۹ المَنِيُّ يَنزِلُ مِن فَقارِ الظَّهرِ إلَى الكُليَةِ ، فَهِيَ كَالدُّودَةِ تَنقَبِضُ وتَنبَسِطُ ، تَرميهِ أوّلاً فَأَوّلاً إلَى المَثانَةِ كَالبُندُقَةِ مِنَ القَوسِ .
وجُعِلَ طَيُّ الرُّكبَةِ إلى خَلفٍ ؛ لِأَنَّ الإِنسانَ يَمشي إلى ما بَينَ يَدَيهِ فَتَعتَدِلُ الحَرَكاتُ ، ولَولا ذلِكَ لَسَقَطَ فِي المَشيِ .
وجُعِلَتِ القَدَمُ مُتَخَصِّرَةً ؛ لِأَنَّ الشَيءَ إذا وَقَعَ عَلَى الأَرضِ جَميعُهُ ثَقُلَ ثِقَلَ حَجَرِ الرَّحا ، وإذا كانَ عَلى طَرَفِهِ دَفَعَهُ (رَفَعَهُ) الصَّبِيُّ ، وإذا وَقَعَ عَلى وَجهِهِ صَعُبَ نَقلُهُ عَلَى الرَّجُلِ .
فَقالَ الهِندِيُّ : مِن أينَ لَكَ هذَا العِلمُ ؟
فَقالَ عليه السلام : أخَذتُهُ عَن آبائي عليهم السلام عَن رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، عَن جَبرَئيلَ عليه السلام ، عَن رَبِّ العالَمينَ ـ جَلَّ جَلالُهُ ـ الَّذي خَلَقَ الأَجسادَ وَ الأَرواحَ .
فَقالَ الهِندِيُّ : صَدَقتَ ، وأنَا أشهَدُ أن لا إلهَ إلاّ اللّهُ ، وأنَّ مُحَمَّدا رَسولُ اللّهِ وعَبدُهُ ، وأنَّكَ أعلَمُ أهلِ زَمانِكَ . ۱۰
1.تحف العقول ، ص ۳۲۱ ، بحار الأنوار ، ج ۷۸ ، ص ۲۳۵ ، ح ۹.
2.فرج المهموم ، ص ۲۲ ، بحار الأنوار ، ج ۵۸ ، ص ۲۷۵ ، ح ۶۴.
3.. في المصدر : «جعل» ، والتصويب من بحار الأنوار والخصال .
4.في المصدر : «كان» ، والتصويب من بحار الأنوار والخصال .
5.في المصدر : «يَمتَطيه» ، والتصويب من بحار الأنوار والمصدرين الآخرين . ومِطْتُ غيري وأمَطْتُهُ : أي نَحَّيتُهُ (الصحاح ، ج۳ ، ص۱۱۶۲) .
6.في الخصال : «ليسند»، وهو الأنسب.
7.في المصدر «رقيقا»، والتصويب من بحار الأنوار والخصال .
8.في المصدر : «فيتروّح» والتصويب من المصادر الاُخرى . والرَّواح والرائحة : من الاستراحة. وقد أراحني وروّح عنّي فاسترحت (لسان العرب ، ج ۲ ، ص ۴۶۱).
9.في بحار الأنوار والمصدرين الآخرين : «إذ» بدل «إذا».
10.علل الشرائع ، ص ۹۹ ، ح ۱ ، الخصال ، ص ۵۱۲ ، ح ۳ ، المناقب لابن شهرآشوب ، ج ۴ ، ص ۲۶۰ ، بحار الأنوار ، ج ۱۰ ، ص ۲۰۵ ، ح ۹ .