۵۱۲.عنه عليه السلام :إنَّ اللّهَ ـ تَبارَكَ وتَعالى ـ . . . جَعَلَ الماءَ فِي المِنخَرَينِ ؛ لِيَصعَدَ مِنهُ النَّفَسُ ويَنزِلَ ، ويَجِدَ مِنهُ الرّيحَ الطَّيِّبَةَ مِنَ الخَبيثَةِ . ۱
۵۱۳.عنه عليه السلام :إنَّ اللّهَ عز و جل . . . جَعَلَ الأَنفَ بارِدا سائِلاً ؛ لِئَلاّ يَدَعَ فِي الرّأسِ داءً إلاّ أخرَجَهُ ، ولَولا ذلِكَ لَثَقُلَ الدِّماغُ وتَدَوَّدَ . ۲
۵ / ۲
الإِشارَةُ إلَى ما في الحَنجَرَةِ مِنَ الحِكمَةِ
۵۱۴.الإمام الصادق عليه السلامـ لِلمُفَضَّلِ بنِ عُمَرَ ـ: أطِلِ الفِكرَ ـ يا مُفَضَّلُ ـ فِي الصَّوتِ وَالكَلامِ وتَهيِئَةِ آلاتِهِ فِي الإِنسانِ ؛ فَالحَنجَرَةُ كَالاُنبوبَةِ لِخُروجِ الصَّوتِ ، وَاللِّسانُ وَالشَّفَتانِ وَالأَسنانُ لِصِياغَةِ الحُروفِ وَالنِّغَمِ ، ألاتَرى أنَّ مَن سَقَطَت أسنانُهُ لَم يُقِمِ السّينَ ، ومَن سَقَطَت شَفَتُهُ لَم يُصَحِّحِ الفاءَ ، ومَن ثَقُلَ لِسانُهُ لَم يُفصِحِ الرّاءَ؟ وأشبَهُ شَيءٍ بِذلِكَ المِزمارُ الأَعظَمُ ؛ فَالحَنجَرَةُ يُشبِهُ قَصَبَةَ المِزمارِ ، وَالرِّئَةُ يُشبِهُ الزِّقَّ الَّذي يُنفَخُ فيهِ ، لِتَدخُلَ الرّيحُ ، وَالعَضُلاتُ الَّتي تَقبِضُ عَلَى الرِّئَةِ لِيَخرُجَ الصَّوتُ كَالأَصابِعِ الَّتي تَقبِضُ عَلَى الزِّقِّ حَتّى تَجرِيَ الرّيحُ فِي المِزمارِ ، وَالشَّفَتانِ وَالأَسنانُ الَّتي تَصوغُ الصَّوتَ حُروفا ونِغَما كَالأَصابِـعِ الَّتي يَختَلِفُ في فَمِ المِزمارِ فَتَصوغُ صَفيرَهُ ألحانا ، غَيرَ أنَّهُ وإن كانَ مَخرَجُ الصَّوتِ يُشبِهُ المِزمارَ بِالدَّلالَةِ وَالتَّعريفِ ، فَإِنَّ المِزمارَ بِالحَقيقَةِ هُوَ المُشَبَّهُ بِمَخرَجِ الصَّوتِ .
قَد أنبَأتُكَ بِما فِي الأَعضاءِ مِنَ الغِناءِ في صَنعَةِ الكَلامِ وإقامَةِ الحُروفِ ، وفيها مَعَ الَّذي ذَكَرتُ لَكَ مَآرِبُ اُخرى ، فَالحَنجَرَةُ ؛ لِيَسلُكَ فيها هذَا النَّسيمُ إلَى الرِّئَةِ فَتُرَوِّحَ عَلَى الفُؤادِ بِالنَّفَسِ الدّائِمِ المُتَتابِـعِ الَّذي لَوِ احتَبَسَ شَيئا يَسيرا لَهَلَكَ الإِنسانُ ، وبِاللِّسانِ تُذاقُ الطُّعومُ فَيُمَيَّزُ بَينَها ويُعرَفُ كُلُّ واحِدٍ مِنها ؛ حُلوُها مِن مُرِّها ، وحامِضُها مِن مُزِّها ، ومالِحُها مِن عَذبِها ، وطَيِّبُها مِن خَبيثِها ، وفيهِ مَعَ ذلِكَ مَعونَةٌ عَلى إساغَةِ الطَّعامِ وَالشَّرابِ .
وَالأَسنانُ تَمضَغُ الطَّعامَ ؛ حَتّى يَلينَ ۳ ويَسهُلَ إساغَتُهُ ، وهِيَ مَعَ ذلِكَ كَالسَّنَدِ لِلشَّفَتَينِ تُمسِكُهُما وتَدعَمُهُما مِن داخِلِ الفَمِ . وَاعتَبِر ذلِكَ بِأَنَّكَ تَرى مَن سَقَطَت أسنانُهُ مُستَرخِي الشَّفَةِ ومُضطَرِبَها .
وبِالشَّفَتَينِ يُتَرَشَّفُ الشَّرابُ ؛ حَتّى يَكونَ الَّذي يَصِلُ إلَى الجَوفِ مِنهُ بِقَصدٍ وقَدرٍ ، لا يَثِـجُّ ثَجّاً فَيَغَصَّ بِهِ الشّارِبُ ، أو يُنكَأَ فِي الجَوفِ ، ثُمَّ هُما بَعدَ ذلِكَ كَالبابِ المُطبَقِ عَلَى الفَمِ يَفتَحُهُمَا الإِنسانُ إذا شاءَ ويُطبِقُهُما إذا شاءَ .
فَفيما وَصَفنا مِن هذا بَيانُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هذِهِ الأَعضاءِ يَتَصَرَّفُ ويَنقَسِمُ إلى وُجوهٍ مِنَ المَنافِعِ كَما تَتَصَرَّفُ الأَداةُ الواحِدَةُ في أعمالٍ شَتّى ، وذلِكَ كَالفَأسِ يُستَعمَلُ فِي النِّجارَةِ وَالحَفرِ وغَيرِهِما مِنَ الأَعمالِ . . . .
يا مُفَضَّلُ . . . مَن جَعَلَ فِي الحَلقِ مَنفَذَينِ : أحَدُهُما لِمَخرَجِ الصَّوتِ ؛ وهُوَ الحُلقومُ المُتَّصِلُ بِالرِّئَةِ ، وَالآخَرُ مَنفَذُ الغِذاءِ ؛ وهُوَ المَريءُ المُتَّصِلُ بِالمَعِدَةِ الموصِلُ الغِذاءَ إلَيها ، وجَعَلَ عَلَى الحُلقومِ طَبَقا يَمنَعُ الطَّعامَ أن يَصِلَ إلَى الرِّئَةِ فَيَقتُلَ ؟
من جَعَلَ الرِّئَةَ مُرَوِّحَةَ الفُؤادِ لا تَفتُرُ ولا تُخِلُّ ؛ لِكَيلا تَتَحَيَّزَ الحَرارَةُ فِي الفُؤادِ فَتُؤَدِّيَ إلَى التَّلَفِ؟ ۴
1.علل الشرائع ، ص ۸۷ ، ح ۲ ، الأمالي للطوسي ، ص ۶۴۶ ، ح ۱۳۳۸ ، وفيه «الرديّة» بدل «الخبيثة» ، وكلاهما عن ابن شبرمة ، بحار الأنوار ، ج ۲ ، ص ۲۹۱ ، ح ۱۱.
2.علل الشرائع ، ص ۸۶ ، ح ۱ ، بحار الأنوار ، ج ۲ ، ص ۲۹۱ ، ح ۱۰.
3.في بحار الأنوار : «تلين» ، والصواب ما أثبتناه.
4.بحار الأنوار ، ج ۳ ، ص ۷۱ نقلاً عن الخبر المشتهر بتوحيد المفضّل.