545
مكاتيب الأئمّة

لا للحَياةِ ، وأنَّك في مَنْزِلِ قُلْعَةٍ ودارِ بُلْغَةٍ ، وطريقٍ إلى الآخِرَةِ ، وأنَّك طَرِيدُ المَوْتِ الَّذِي لا يَنْجو منه هارِبُهُ ، ولابُدَّ أنَّه مُدْرِكهُ ، فكن منْه على حذَرٍ أنْ يدرِكَك وأنت على حالٍ سَيِّئةٍ قَدْ كنتَ تُحَدِّثُ نفسَك منْها بالتَّوبَةِ ، فيَحُولَ بينك وبين ذلِك ، فإذا أنْتَ قَدْ أهلَكْتَ نَفسَكَ .
يا بُنَيَّ أكْثِر مِنْ ذِكْرِ المَوْتِ ، وذكْرِ ما تَهْجُمُ عَليْهِ ، وتُفْضي بَعْدَ الموْتِ إليْهِ ، واجعلْه أمامَكَ حَيْثُ تَراه ، حَتَّى يأتيك وقد أخذْتَ منْه حِذْرَك ، وشَدَدْتَ لَهُ أزْرَكَ ، ولا يأتيك بَغْتَةً فَيَبْهَرَك ، ولا يأخُذَك على غِرَّتِك ، وأكْثِر ذكْر الآخِرة وما فيها من النَّعيم والعذاب الأليم ، فإنَّ ذلِك يُزَهِّدُك في الدُّنيا ويُصَغِّرُها عِنْدَكَ .
وإيَّاك أنْ تَغْتَرَّ بما تَرى من إخْلاد أهل الدُّنيا إليْها ، وتَكالُبِهِم عليْها ، فَقَدْ نَبَّأك اللّه جل جلالهعنْها ، ونَعَتْ لَكَ نفسَها ، وتَكَشَّفَتْ لَكَ عَن مَساوِيها ، فَإنَّما أهلُها كِلابٌ عاوِيَةٌ ، وسِباعٌ ضارِيةٌ ، يَهِرُّ بعضُها بعْضا ، ويأكُلُ عزيزُها ذليلَها ، ويَقْهَر كبيرُها صغِيرَها ، وكثيرُها قَلِيلَها ، نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ ، وأخرَى مُحْفَلَةٌ مُهْمَلَةٌ ، قَدْ أضَلَّت عقُولَها ، ورَكِبَتْ مَجْهُولَها ، سُروحُ عاهَةٍ في وادِ وَعْثٍ ، ليْسَ لها راعٍ يُقِيمُها ، ولا مُسِيمٌ يُسيمُها ، لَعِبَتْ بهم الدُّنيا ، فَلَعِبُوا بها ، ونَسُوا ما وَراءَها ، رُوَيْدا حَتَّى يُسْفِرَ الظَّلامُ ، كأن ورَبِّ الكعْبة ، يوشَك مَن أسْرَع أنْ يلْحَق .
واعلْم يا بُنَيَّ ، أنَّ كلَّ مَن كانت مَطِيَّتُه اللَّيْلَ والنَّهارَ فإنَّهُ يُسارُ به ، وإنْ كان لا يَسِيْر ، أبَى اللّه إلاّ خَرابَ الدُّنيا وعِمارَةَ الآخِرة .
يا بُنَيَّ ، فإنْ تَزْهَد فِيما زَهَّدْتُكَ فيْه وتَعْزِفُ نفسُكَ عنْها فهي أهلُ ذلك ، وإنْ كنْتَ غَيْرَ قابِلٍ نَصِيحَتي إيَّاك فيْها ، فاعلَم يقينا أنَّك لن تَبْلُغَ أمَلَك ، ولا تَعْدُو أجلَكَ ، فإنَّك في سبيل مَن كان قبلَك ، فخَفِّضْ في الطَّلَبِ ، وأجمِل في المُكْتَسَبِ ،


مكاتيب الأئمّة
544

لنَفسِكَ قبلَ نزُولِكَ ووَطِّئَ المَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ ، فليْسَ بعدَ الموْت مسْتَعْتَبٌ ، ولا إلى الدُّنيا مُنْصَرَفٌ .
واعلَم أنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزائِنُ مَلَكوتِ الدُّنيا والآخِرَةِ قَدْ أذِنَ لِدُعائِكَ ، وتَكَفَّلَ لإجابَتِكَ ، وأمَرَك أنْ تسْأَلَه ليُعْطِيَكَ وتستَرْحِمَه ليَرْحَمَك ، وهو رَحيمٌ كريمٌ ، لم يَجعل بينك وبينَه مَن يَحْجُبُك عنه ، ولم يُلْجِئْك إلى مَن يَشْفَعُ لَكَ إليْهِ ، ولم يَمْنَعْكَ إنْ أسَأْتَ مِنَ التَّوبَةِ ، ولم يُعَيِّرْكَ بالإنابَةِ ، ولم يُعاجِلْكَ بالنَّقِمَةِ ، ولم يَفْضَحْكَ حَيْثُ تَعَرَّضْتَ للْفَضِيحَةِ ، ولم يُناقِشْكَ بالجَريْمَةِ ، ولم يُؤيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ ، ولم يُشَدِّدْ علَيْك في التَّوبَةِ ، فجَعَل توْبَتَك التَّوَرُّعَ مِنَ الذَّنْبِ ، وحَسَبَ سَيِّئَتَك واحِدَةً ، وحَسَنَتَكَ عَشْرا ، وفَتَحَ لَكَ بابَ المَتابِ والاستِعْتابِ ، فمَتَى شِئْتَ نادَيْتَهُ سمِع نِداءَكَ ونَجْواك ، فأفْضَيْتَ إليْه بحاجَتِك ، وأبْثَثْتَهُ ذاتَ نَفسِكَ ، وشكوْتَ إليْه هُمُومَك ، واسْتَكْشَفْتَه كرُوبَكَ ، واسْتَعَنْتَه على أُمورِكَ ، وسألتَه مِنْ خزائِنِ رحْمَتِهِ ما لا يَقدِرُ على إعطائِهِ غَيْرُهُ : مِن زيادة الأعْمارِ ، وصِحَّةِ الأبْدانِ ، وسِعَة الأرزاق ، ثُمَّ جَعَل في يَديْكَ مفاتيحَ خزائنِهِ ، بِما أذِنَ فيْه مِن مَسْألَتِهِ ، فمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بالدُّعاء أبوابَ خزائِنِهِ ، فألْحِحْ علَيْهِ بِالمَسألَةِ يَفْتَحْ لَكَ بابَ الرَّحْمَةِ ، ولا يُقْنِطُكَ إنْ أبطَأَتْ عَلَيْكَ الإجابَةُ ، فإنَّ العَطِيَّةَ على قَدْرِ المَسألَةِ ، ورُبَّما أُخِّرَتْ عَنْكَ الإجابةُ لِيَكونَ أطوَلَ في المَسْألَةِ ، وأجْزَلَ للعَطِيَّةِ ، ورُبَّما سألْتَ الشَيْء فلا تُؤتاه فلم تَؤْتِه ، وأُوتَيْتَ خَيْرَا منْه عاجِلاً أو آجِلاً ، أو صِرْتَ إلى ما هو خَيْرٌ لَكَ ، فَلَرُبَّ أمْرٍ قَدْ طلَبْتَهُ فيْهِ هَلاكُ دينِكَ ودُنياكَ لو أُوْتِيتَهُ ، ولتكن مسألتُك فِيما يَعْنِيكَ ممَّا يَبْقى لَكَ جَمالُهُ ، ويُنْفى عنْك وَبالُهُ ، فإنَّ المال لا يَبْقى لَكَ ولا تَبْقى لَهُ ، فإنَّه يوشَك أنْ تَرى عاقِبَةَ أمْرِك حَسَنا أو سَيِّئا أو يَعْفُوَ العَفُوُّ الكريم .
واعلَم يا بُنَيَّ أنَّك إنَّما خُلِقْتَ للآخِرةِ لا للدُّنيا ، وللفَناءِ لا للبَقاءِ ، وللموْتِ

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6129
صفحه از 568
پرینت  ارسال به