يا أمير المؤمنين ، ما على الأرض أحد أحبّ إلينا أن يقيم فينا منك ، لأنَّك نجمنا الَّذي نهتدي به ، ومفزعنا الَّذي نصير إليه ، وإن فقدناك لتُظْلِمَنّ أرضُنا وسماوا ، ولكن واللّه ، لو خلّيتَ معاوية للمكر ، لَيرومَنَّ مصر ، ولَيُفسِدَنَّ اليمنَ ، ولَيطْمَعَنَّ في العراق ، ومعه قوم يمانيّون قد أُشربوا قتل عثمان ، وقد اكتفوا بالظَّنّ عن العلم ، وبالشكِّ عن اليقين ، وبالهوى عن الخير ، فسر بأهل الحجاز وأهل العراق ، ثُمَّ ارمه بأمر يضيق فيه خناقهُ ۱ ، ويقصر له من نفسه .
فقال عليه السلام : « أَحسنْتَ واللّهِ ، يا قَيْسُ » . ۲ ۵ ـ دعا معاوية يوما النُّعْمان بن بَشير بن سَعْد الأنْصاريّ ، ومَسْلَمَة بن مخلّد الأنْصاريّ ، ولم يكن معه من الأنصار غيرهما ، فقال :
يا هذان ، لقد غمَّني ما لقيت من الأوس والخَزْرَج ، صاروا واضعِي سيوفهم على عواتقهم يدعُون إلى النِّزال ، حَتَّى ـ واللّه ـ جبَّنوا أصحابي ، الشُجاع والجبان ، وحتى ـ واللّه ـ ما أسأل عن فارس من أهل الشَّام إلاَّ قالوا قتلتْه الأنصار . أمَا واللّه ، لألقينَّهم بحَدِّي وحديدي ، ولأُعبِّيَنَّ لكلِّ فارسٍ منهم فارسا ينشَبُ في حلْقِه ، ثُمَّ لأرمينَّهم بأعدادهم من قريش ، رجال لم يغْذُهُم التَمرُ والطَفَيْشَل ۳ ، يقولون نحن الأنصار ، قد واللّه ، آوَوْا ونَصَروا ، ولكن أفسدوا حقَّهم بباطلهم .
] فأجابه النُّعْمانُ ومَسْلَمَةُ ] . . . وانتهى الكلامُ إلى الأنصار ، فجمع قَيْسُ بن سَعْد الأنْصاريّ الأنصارَ ، ثُمَّ قام خطيبا فيهم ، فقال : إنَّ معاوية قد قال ما بَلَغكم ، وأجاب عنكم صاحباكم ، فلعَمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه بالأمس ، وإن
1.هم في خُناق : أي في ضيق (النهاية : ج ۲ ص ۸۵) .
2.الأمالي للطوسي : ص۷۱۶ ح ۱۵۱۸ ، الغدير : ج۲ ص۷۵ .
3.الطّفيشل : نوع من اطرق معروف (تاج العروس : ج ۱۵ ص ۴۳۷) .