489
مكاتيب الأئمّة

شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ ، وقِلَّةُ عِلْمٍ بِالأمُورِ ، والاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ ما احْتَجَبُوا دُونَهُ ، فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ ، ويَعْظُمُ الصَّغِيرُ ، ويَقْبُحُ الْحَسَنُ ، ويَحْسُنُ الْقَبِيحُ ، ويُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ ، وإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لا يَعْرِفُ ما تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ به مِنَ الامُورِ ، ولَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ ، وإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ ، إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُك بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ ، فَفِيمَ احْتِجَابُك مِن وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ ، أو فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ ، أو مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِك إِذَا أَيِسُوا مِن بَذْلِك ، مع أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْك مِمَّا لا مَؤونَةَ فِيهِ عَلَيْك مِن شَكَاةِ مَظْلِمَةٍ ، أو طَلَبِ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ .
ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وبِطَانَةً ، فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وتَطَاوُلٌ ، وقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ ، فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولَئِك بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْك الأحْوَالِ ، ولا تُقْطِعَنَّ لأحَدٍ مِن حَاشِيَتِك ، وحَامَّتِك قَطِيعَةً ، ولا يَطْمَعَنَّ مِنْك فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ فِي شِرْبٍ أو عَمَلٍ مُشْتَرَك يَحْمِلُونَ مَؤونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ ، فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِك لَهُمْ دُونَك وعَيْبُهُ عَلَيْك فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ .
وأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ والْبَعِيدِ ، وكُنْ فِي ذَلِك صَابِرا مُحْتَسِبا ، وَاقِعا ذَلِك مِن قَرَابَتِك وخَاصَّتِك حَيْثُ وَقَعَ ، وابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْك مِنْهُ ، فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِك مَحْمُودَةٌ ، وإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِك حَيْفا فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِك ، واعْدِلْ عَنْك ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِك ، فَإِنَّ فِي ذَلِك رِيَاضَةً مِنْك لِنَفْسِك ، ورِفْقا بِرَعِيَّتِك ، وإِعْذَارا تَبْلُغُ به حَاجَتَك مِن تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ .
ولا تَدْفَعَنَّ صُلْحا دَعَاك إِلَيْهِ عَدُوُّك ، ولِلَّهِ فِيهِ رِضًا ، فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِك ، ورَاحَةً مِن هُمُومِك ، وأَمْنا لِبِلادِك ، ولَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِن عَدُوِّك بَعْدَ صُلْحِهِ ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْ بِالْحَزْمِ ، واتَّهِمْ فِي


مكاتيب الأئمّة
488

وقَدْ يُخَفِّفُهُ اللّه عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ ، فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ ، ووَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِاللّه لَهُمْ .
واجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْك قِسْما ، تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَك ، وتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِسا عَامّا ، فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَك ، وتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَك ، وأَعْوَانَك ، من أَحْرَاسِك وشُرَطِك حَتَّى يُكَلِّمَك مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه و آله يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ : لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُوخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ ؛ ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ والْعِيَّ ، ونَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ والأنَفَ ، يَبْسُطِ اللّه عَلَيْك بِذَلِك أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ ، ويُوجِبْ لَك ثَوَابَ طَاعَتِهِ ، وأَعْطِ ما أَعْطَيْتَ هَنِيئا ، وامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وإِعْذَارٍ .
ثُمَّ أُمُورٌ مِن أُمُورِك لا بُدَّ لَك من مُبَاشَرَتِهَا ، مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِك بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كُتَّابُك ، ومِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ يَوْمَ وُرُودِهَا عَلَيْك بِمَا تَحْرَجُ به صُدُورُ أَعْوَانِك .
وأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ ، فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ ما فِيهِ ، واجْعَلْ لِنَفْسِك فِيمَا بَيْنَك وبَيْنَ اللّه أَفْضَلَ تِلْك الْمَوَاقِيتِ ، وأَجْزَلَ تِلْك الأقْسَامِ ، وإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلَّهِ ، إِذَا صَلَحَتْ فِيهَا النِّيَّةُ ، وسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ ، ولْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ ما تُخْلِصُ به لِلَّهِ دِينَك إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتي هِيَ لَهُ خَاصَّةً ، فَأَعْطِ اللّه مِنْ بَدَنِك فِي لَيْلِك ونَهَارِك ، ووَفِّ ما تَقَرَّبْتَ به إلى اللّه مِنْ ذَلِك ، كَامِلا غَيْرَ مَثْلُومٍ ولا مَنْقُوصٍ ، بَالِغا مِن بَدَنِك ما بَلَغَ .
وإِذَا قُمْتَ فِي صَلاتِك لِلنَّاسِ فَلا تَكُونَنَّ مُنَفِّرا ، ولا مُضَيِّعا ، فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ به الْعِلَّةُ ولَهُ الْحَاجَةُ ، وقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه و آله حِينَ وَجَّهَنِي إلى الْيَمَنِ كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ ؟ فَقَالَ : صَلِّ بِهِمْ كَصَلاةِ أَضْعَفِهِمْ ، وكُنْ بِالْمُومِنِينَ رَحِيما .
وأَمَّا بَعْدُ : فَلا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَك عَنْ رَعِيَّتِك ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5584
صفحه از 568
پرینت  ارسال به