487
مكاتيب الأئمّة

ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وذَوِي الصِّنَاعَاتِ ، وأَوْصِ بِهِمْ خَيْرا : الْمُقِيمِ مِنْهُمْ ، والْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ ، والْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ ، وأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ ، وجُلابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ والْمَطَارِحِ فِي بَرِّك وبَحْرِك وسَهْلِك وجَبَلِك ، وحَيْثُ لا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا ولا يَجْتَرِؤونَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لا تُخَافُ بَائِقَتُهُ ، وصُلْحٌ لا تُخْشَى غَائِلَتُهُ ، وتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِك ، وفِي حَوَاشِي بِلادِك ، واعْلَمْ مع ذَلِك أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقا فَاحِشا ، وشُحّا قَبِيحا ، واحْتِكَارا لِلْمَنَافِعِ ، وتَحَكُّما فِي الْبِيَاعَاتِ ، وذَلِك بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ ، وعَيْبٌ عَلَى الْوُلاةِ ، فَامْنَعْ مِنَ الاحْتِكَارِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه و آله مَنَعَ مِنْهُ ، ولْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعا سَمْحا ، بِمَوَازِينِ عَدْلٍ وأَسْعَارٍ ، لا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ والْمُبْتَاعِ ، فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِك إِيَّاهُ فَنَكِّلْ به ، وعَاقِبْهُ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ .
ثُمَّ اللّه اللّه ، فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ ، مِنَ الْمَسَاكِينِ ، والْمُحْتَاجِينَ ، وأَهْلِ الْبُوسَى ، والزَّمْنَى ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعا ومُعْتَرّا ، واحْفَظ لِلَّهِ ما اسْتَحْفَظَك من حَقِّهِ فِيهِمْ ، واجْعَلْ لَهُمْ قِسْما مِن بَيْتِ مَالِك ، وقِسْما مِن غَلاتِ صَوَافِي الإسْلامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ ، فَإِنَّ لِلأقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلأدْنَى ، وكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ ، فلا يَشْغَلَنَّك عَنْهُمْ بَطَرٌ ، فَإِنَّك لا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِك التَّافِهَ ، لإحْكَامِك الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ ، فَلا تُشْخِصْ هَمَّك عَنْهُمْ ، ولا تُصَعِّرْ خَدَّك لَهُمْ ، وتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لا يَصِلُ إِلَيْك مِنْهُمْ ، مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ ، وتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ ، فَفَرِّغْ لأولَئِك ثِقَتَك مِن أَهْلِ الْخَشْيَةِ والتَّوَاضُعِ ، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْك أُمُورَهُمْ ، ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بِالإعْذَارِ إلى اللّه يَوْمَ تَلْقَاهُ ، فَإِنَّ هَولاءِ مِن بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إلى الإنْصَافِ مِن غَيْرِهِمْ ، وكُلٌّ فَأَعْذِرْ إلى اللّه فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ .
وتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ ، مِمَّنْ لا حِيلَةَ لَهُ ، ولا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ ، وذَلِك عَلَى الْوُلاةِ ثَقِيلٌ ، والْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ .


مكاتيب الأئمّة
486

عَلَيْك فِي عِمَارَةِ بِلادِك ، وتَزْيِينِ وِلايَتِك مع اسْتِجْلابِك حُسْنَ ثَنَائِهِمْ ، وتَبَجُّحِك بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ ، مُعْتَمِدا فَضْلَ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ من إِجْمَامِك لَهُمْ ، والثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِن عَدْلِك علَيْهم ، ورِفْقِك بِهِمْ ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الأمُورِ ما إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ علَيْهم مِن بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ به ، فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ ما حَمَّلْتَهُ ، وإِنَّمَا يُوتَى خَرَابُ الأرْضِ مِن إِعْوَازِ أَهْلِهَا ، وإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لإشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاةِ عَلَى الْجَمْعِ ، وسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ ، وقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ .
ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِك ، فَوَلِّ عَلَى أُمُورِك خَيْرَهُمْ ، واخْصُصْ رَسَائِلَك الَّتي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَايِدَك ، وأَسْرَارَك بِأَجْمَعِهِمْ ، لِوُجُوهِ صَالِحِ الأخْلاقِ مِمَّنْ لا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْك فِي خِلافٍ لَك بِحَضْرَةِ مَلاء ، ولا تَقْصُرُ به الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمِّالِك عَلَيْك ، وإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْك فِيمَا يَأْخُذُ لَك ، ويُعْطِي مِنْك ، ولا يُضْعِفُ عَقْدا اعْتَقَدَهُ لَك ، ولا يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاقِ ما عُقِدَ عَلَيْك .
ولا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الأمُورِ ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ .
ثُمَّ لا يَكُنِ اخْتِيَارُك إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِك ، واسْتِنَامَتِك ، وحُسْنِ الظَّنِّ مِنْك ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ ، وحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ ، ولَيْسَ وَرَاءَ ذَلِك مِنَ النَّصِيحَةِ والأمَانَةِ شَيْءٌ ، ولَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَك ، فَاعْمِدْ لأحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَرا ، وأَعْرَفِهِمْ بِالأمَانَةِ وَجْها ، فَإِنَّ ذَلِك دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِك لِلَّهِ ، ولِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ .
واجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِن أُمُورِك رَأْسا مِنْهُمْ لا يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا ولا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا ، ومَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِك مِن عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5948
صفحه از 568
پرینت  ارسال به