47
مكاتيب الأئمّة

وفي الأمالي للطوسيّ عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرَة الأنْصاريّ : لمّا قدم أبو ذَرّ على عثمان ، قال : أخبِرني أيّ البلاد أحبّ إليك ؟ قال : مُهاجَري ، فقال : لستَ بمجاوري . قال : فَألحَقُ بحرم اللّه ، فَأكُونُ فيه ؟ قال : لا ، قال : فالكوفة ، أرض بها أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، قال : لا ، قال : فلست بمختار غيرهنّ . فأمره بالمسير إلى الرَّبذة ، فقال : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال لي : « اسمَع وَأَطِع ، وَانفَذْ حَيثُ قَادُوكَ ، وَلَو لِعَبدٍ حَبَشِيّ مُجَدّع » .
فخرج إلى الرَّبذة ، وأقام مدّة ، ثمّ أتى إلى المدينة ، فدخل على عثمان والناس عنده سماطين ، فقال : يا أمير المؤمنين ! إنّك أخرجتني من أرضي إلى أرض ليس بها زرع ولا ضرع إلاّ شُوَيهات ، وليس لي خادم إلاّ محرّرة ۱ ، ولا ظلّ يظلّني إلاّ ظلّ شجرة ، فأعطِني خادما وغُنَيمات أعِش فيها ، فحوّلَ وجهه عنه ، فتحوّل عنه إلى السَّماط الآخر ، فقال مثل ذلك .
فقال له حَبِيب بن مَسْلَمَة : لك عندي يا أبا ذَرّ ألفُ درهم وخادم وخمسمئة شاة .
قال أبو ذَرّ : أعطِ خادمك وألفك وشويهاتك من هو أحوج إلى ذلك منّي ؛ فإنّي إنّما أسأل حقّي في كتاب اللّه .
فجاء عليّ عليه السلام فقال له عثمان : ألاَ تُغنِي عَنّا سَفِيهَكَ هذا ؟
قال : أيُّ سَفِيهٍ ؟
قال : أبو ذَرّ !
قال عليّ عليه السلام : لَيسَ بِسَفِيهٍ ، سَمِعتُ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه و آله يَقُولُ : « مَا أظلَّتِ الخَضرَاءُ ، ولاَ أقلَّتِ الغَبرَاءُ ، أَصدَقَ لهجةً مِن أَبِي ذَرّ » أَنزِلهُ بِمَنزِلَةِ مُؤمِنِ آلِ فِرعَون ، « وَ إِن يَكُ كَـذِبًا فَعَلَيْهِ

1.المُحَرَّر : الَّذي جُعل من العبيد حُرّا فاُعتِق ( النهاية : ج۱ ص ۳۶۲ ) .


مكاتيب الأئمّة
46

اللّه فهي الخيانة ، وإن كانت من مالِكَ فهذا الإسراف ، فسكت معاوية ۱ .
وفي أنساب الأشراف : كان أبو ذَرّ يقول : واللّه لقد حَدَثَت أعمال ما أعرفها ، واللّه ما هي في كتاب اللّه ، ولا سنّة نبيّه ، واللّه إنّي لأرى حقّا يُطفأ ، وباطلاً يُحيا ، وصادقا يُكذّب ، وأثَرَة بغِيرِ تُقىً ، وصالِحا مستأثَرا عليه .
فقال حَبِيب بنُ مَسْلَمَة لمعاوية : إنّ أبا ذَرّ مفسدٌ عليك الشَّام ، فتدارك أهله إن كانت لكم به حاجة ، فكتب معاوية إلى عثمان فيه ، فكتب عثمان إلى معاوية : أمّا بعد : فاحمل جُنْدُبا إليَّ على أغلظ مركب وأوعره ، فوجّه معاوية من سار به اللَّيل والنهار .
فلمّا قدم أبو ذَرّ المدينة جعل يقول : يستعمل الصِّبيان ، ويحمي الحمى ، ويُقرِّب أولاد الطُّلَقاء . فبعث إليه عثمان : الْحَق بأيّ أرض شئت ، فقال : بمكّة ، فقال : لا ، قال : فَبَيتُ المَقدِس ، قال : لا ، قال : فبأحد المِصرَين ۲ ، قال : لا ، ولكنّي مُسَيّرك إلى الرَّبذة ، فسيّرَه إليها ، فلم يزل بها حتَّى مات ۳ .
وعن قَتادَة : تكلّم أبو ذَرّ بشيء كرهه عثمان فكذّبه ، فقال : ما ظننت أنّ أحدا يكذّبني بعد قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « مَا أَقلَّتِ الغَبرَاءُ ، ولا أطبَقَتِ الخَضْرَاءُ ، عَلَى ذِي لَهْجَة أصدقَ مِن أبِي ذَرّ » ثمّ سيّره إلى الرَّبَذَة .
فكان أبو ذَرّ يقول : مَا تَرَكَ الحَقّ لِي صَدِيقا ، فلمّا سار إلى الرَّبَذَة قال : رَدَّني عثمان بعد الهجرة أعرابيّا ! ۴

1.أنساب الأشراف : ج۶ ص۱۶۸ .

2.أنساب الأشراف : ج۶ ص۱۶۷ ، شرح نهج البلاغة : ج۸ ص۲۵۶ ؛ الشافي : ج۴ ص۲۹۴ وليس فيهما من « وبعث إليه » إلى « وردّها » .

3.هما الكوفةَ والبَصرة ( لسان العرب : ج۵ ص ۱۷۶ ) .

4.أنساب الأشراف : ج۶ ص۱۶۷ ؛ الشافي : ج۴ ص۲۹۴ نحوه .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6068
صفحه از 568
پرینت  ارسال به