465
مكاتيب الأئمّة

بكر وصعب عليه أمرها وتمرّد أهلها ، انتدب الإمام عليه السلام مالكا وولاّه عليها ۱ . وكان قد خَبَر كفاءته ، ورفعته ، واستماتته ، ودأبه ، ووعيه ، وخبرته في العمل ۲ .
وكانت تعليماته عليه السلام الحكوميّة ـ المشهورة بعهد مالك الأشْتَر ـ أعظم وأرفع وثيقة للحكومة وإقامة القسط ، وهي خالدة على مَرِّ التَّاريخ ۳ .
وكان معاوية قد عقد الأمل على مصر ، وحين شعر أنّ جميع خططه ستخيب بذهاب مالك إليها ، قضى عليه قبل وصوله إليها . وهكذا استُشهد ليث الوغى ، والمُقاتل الفذّ ، والنَّاصر الفريد لمولاه ، بطريقة غادرة ، بعدما تناول من العسل المسموم بسمّ فتّاك ، وعرجت روحه المشرقة الطَّاهرة إلى الملكوت الأعلى ۴ .
وحزن الإمام عليه السلام لمقتله ، حتَّى عَدّ موته من مصائب الدَّهر ۵ . وأبّنه فكان تأبينه إيّاه فريدا ؛ كما أنّ وجود مالك كان فريدا له في حياته عليه السلام ۶ .
ولمّا نُعي إليه عليه السلام مالك ، وبلغه خبر استشهاده المؤلم ، صعد المنبر وقال :
« ألا إنّ مالِكَ بنَ الحارِثِ قَدْ قَضَى نَحْبَهُ ، وأوْفى بِعَهْدِهِ ، ولَقِيَ رَبَّهُ ، فَرَحِمَ اللّهُ مالِكا !

1.تاريخ الطبري : ج۵ ص۹۵ ، الكامل في التاريخ : ج۲ ص۴۱۰ ؛ الغارات : ج۱ ص۲۵۷ .

2.راجع: نهج البلاغة : الكتاب ۳۸ ، الأمالي للمفيد : ص۸۱ ح۴ ، الغارات : ج۱ ص۲۶۰ و ص ۲۶۶ ، الاختصاص : ص۸۰ ؛ تاريخ الطبري : ج۵ ص۹۶ ، تاريخ مدينة دمشق : ج۵۶ ص۳۹۰ .

3.راجع: نهج البلاغة : الكتاب ۵۳ ، تحف العقول : ص۱۲۶ .

4.أنساب الأشراف : ج۳ ص۱۶۸ ، تاريخ الطبري : ج۵ ص۹۵ ـ ۹۶ ، مروج الذهب : ج۲ ص۴۲۰ ، الكامل في التاريخ : ج۲ ص۴۱۰ ؛ الأمالي للمفيد : ص۸۲ ح۴ ، الغارات : ج۱ ص۲۶۳ ، الاختصاص : ص۸۱ ، تاريخ اليعقوبي : ج۲ ص۱۹۴ .

5.الأمالي للمفيد : ص۸۳ ح۴ ، الغارات : ج۱ ص۲۶۴ .

6.نهج البلاغة : الحكمة ۴۴۳ ، الأمالي للمفيد : ص۸۳ ح۴ ، رجال الكشّي : ج ۱ ص۲۸۳ الرقم ۱۱۸ ، الغارات : ج۱ ص۲۶۵ ؛ الكامل في التاريخ : ج۲ ص۴۱۰ ، تاريخ الإسلام للذهبي : ج۳ ص۵۹۴ ، ربيع الأبرار : ج۱ ص۲۱۶ .


مكاتيب الأئمّة
464

وصار هلاك العدو أمرا محتوما ، وبينا كان الظُّلم يلفظ أنفاسه الأخيرة ، والنَّصر يلتمع في عيون مالك ، تآمر عَمْرو بن العاص ونشر فخّ مكيدته ، فأسرعت جموع من جيش الإمام ـ وهم الَّذين سيشكّلون تيّار الخوارج ـ ومعهم الأشْعَث إلى مؤازرته ، فازداد الطِّين بلّةً بحماقتهم . وهكذا جعلوا الإمام عليه السلام في وضعٍ حَرِج ليقبل الصُّلح ، ويُرجعَ مالكا عن موقعه المتقدّم في ميدان الحرب .
وكان طبيعيّا في تلك اللّحظة المصيريّة الحاسمة العجيبة أن يرفض مالك ، ويرفض معه الإمام عليه السلام أيضا ، لكن لمّا بلغه أنّ حياة الإمام في خطر ، عاد بروح ملؤها الحزن والألم ، فأغمد سيفه ، ونجا معاوية الَّذي أوشك أن يطلب الأمان من موت محقَّق ، وخرج من مأزق ضاق به ! ! ۱
وشاجر مالك الخوارجَ والأشْعَثَ ، وكلّمهم في حقيقة ما حصل ، وأنبأهم ، بما يملك من بصيرة وبُعد نظر ، أنّ جذر تقدّسهم يكمن في تملّصهم من المسؤوليّة ، وشغفهم بالدُّنيا ۲ .
وحين اقترح الإمام عليه السلام عبدَ اللّه بن عبّاس للتَّحكيم ورفَضه الخوارج والأشْعَث ، اقترح مالكا ، فرفضوه أيضا مصرِّين على يمانيّة الحَكَم ، في حين كان مالك يمانيّ المحتد ، وهذا من عجائب الاُمور ! ۳
وعاد مالك بعد صفِّين إلى مهمّته ۴
. ولمّا اضطربت مصر على محمّد بن أبي

1.وقعة صفّين : ص۴۸۹ و۴۹۰ ؛ تاريخ الطبري : ج۵ ص۴۸ ـ ۵۰ ، الكامل في التاريخ : ج۲ ص۳۸۶ ، الفتوح : ج۳ ص۱۸۵ ـ ۱۸۸ .

2.وقعة صفّين : ص۴۹۱ ؛ تاريخ الطبري : ج۵ ص۵۰ ، الكامل في التاريخ : ج۲ ص۳۸۷ .

3.وقعة صفّين : ص۴۹۹ ـ ۵۰۴ ؛ مروج الذهب : ج۲ ص۴۰۲ ، تاريخ الطبري : ج۵ ص۵۱ و۵۲ ، الكامل في التاريخ : ج۲ ص۳۸۷ ، الفتوح : ج۴ ص۱۹۷ و۱۹۸ .

4.تاريخ الطبري : ج۵ ص۹۵ ، الكامل في التاريخ : ج۲ ص۴۱۰ ؛ الغارات : ج۱ ص۲۵۷ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5978
صفحه از 568
پرینت  ارسال به