45
مكاتيب الأئمّة

فلم يُقِم بالمدينة إلاّ أيّاما حتَّى أرسل إليه عثمان : واللّه لَتَخرُجَنّ عنها ! قال : أ تُخرِجُنِي مِن حَرَمِ رَسُولِ اللّهِ ؟ قال : نعم ، وأنفُكَ راغِمٌ . قال : فَإلى مَكّةَ ؟ قال : لا ، قال : فَإلى البَصرَةِ ؟ قال : لا ، قال : فَإلى الكُوفَةِ ؟ قال : لا ، وَلكِنْ إلى الرَّبَذَةِ الَّتي خَرَجتَ منها حَتَّى تموتَ بها ! يا مَروانُ ، أخرِجهُ ، ولا تَدَع أحدا يُكَلّمُهُ ، حَتَّى يَخرُجَ .
فَأَخرجَهُ عَلَى جَمَلٍ ومَعَهُ امرأَتُهُ وابنَتُهُ ، فخرج وعليّ والحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر وعَمَّار بن ياسِر ينظرون ، فَلَمّا رأى أبو ذَرّ عليّا ، قام إليه فقبَّلَ يَدَهُ ثُمّ بكى وقال : إنّي إذا رَأَيتُكَ ورأيتُ وُلدَكَ، ذَكَرتُ قَولَ رَسُولِ اللّهِ ، فَلَم أَصبِر حَتَّى أبكي ! فَذَهَبَ عَلِيّ يُكَلّمُهُ ، فقال له مروان : إنّ أمير المؤمنين قد نهى أن يكلّمه أحد ، فرفع عليّ السَّوط فضرب وَجهَ ناقةِ مَروانَ ، وقال : تَنَحَّ ، نَحّاكَ اللّهُ إلى النَّار !
ثمّ شيّعه ، فكلّمه بكلام يطول شرحه ، وتكلّم كلّ رجل من القوم وانصرفوا ، وانصرف مروان إلى عثمان ، فجرى بينه وبين عليّ في هذا بعض الوحشة ، وتلاحيا كلاما ، فلم يزل أبو ذَرّ بالرَّبَذَة حتَّى توفّي ۱ .
وفي أنساب الأشراف : كان أبو ذَرّ يُنكِر على معاوية أشياء يفعلها ، وبعث إليه معاوية بثلاثمئة دينار ، فقال : إن كانت من عطائي الَّذي حَرمتُمُونِيهِ عامي هذا قَبِلتُها ، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها .
وبعث إليه حَبيبُ بن مَسْلَمَة الفِهْرِيّ بمئتي دِينار ، فقال : أ ما وجدتَ أهون عليك منّي حين تبعث إليَّ بمال ؟ وردّها .
وبنى معاوية الخضراء بدمشق ، فقال : يا معاوية ، إن كانت هذه الدَّار من مال

1.تاريخ اليعقوبي : ج۲ ص۱۷۱ ؛ الفتوح : ج۲ ص۳۷۳ نحوه وراجع مروج الذهب : ج۲ ص۳۵۰ .


مكاتيب الأئمّة
44

وفي تاريخ اليعقوبيّ : بلغ عثمان أيضا أنّ أبا ذَرّ يقع فيه ، ويذكر ما غيّر وبدّل من سُنَنِ رَسولِ اللّهِ ، وسُنَنِ أبي بكرٍ وعُمرَ ، فسيّره إلى الشَّام إلى معاوية ، وكان يجلس في المسجد فيقول كما كان يقول ، ويجتمع إليه النَّاس ، حتَّى كثر من يجتمع إليه ويسمع منه .
وكان يقف على باب دمشق ، إذا صلّى صلاة الصُّبح ، فيقول : جاءت القَطارُ تحمِلُ النَّارَ ، لَعَنَ اللّهُ الآمرِينَ بالمَعرُوفِ والتَّارِكينَ لَهُ ، وَلَعَنَ اللّهُ النَّاهينَ عَنِ المُنكَرِ وَالآتينَ لَهُ .
وكتب معاوية إلى عثمان : إنّك قد أفسدت الشَّام على نفسك بأبي ذَرّ ، فكتب إليه أن : احمِلهُ عَلَى قَتَبٍ ۱ بِغَيرِ وِطاء ، فَقَدِمَ بِهِ إلى المَدينَةِ ، وَقَد ذَهَبَ لَحمُ فَخِذَيهِ ، فلمّا دخل إليه وعنده جماعة قال : بَلَغَنِي أَنّك تقول : سَمِعتُ رَسولَ اللّهِ يقولُ : « إذا كَمُلَت بَنُو اُمَيّةَ ثَلاثينَ رَجُلاً ، اتّخَذُوا بِلادَ اللّهِ دُوَلاً ۲ ، وعِبادَ اللّهِ خَوَلاً ۳ ، ودينَ اللّهِ دَغَلاً ۴ » فقال : نَعَم ، سَمِعتُ رَسولَ اللّهِ يقولُ ذلِكَ . فقال لهم : أسمعتم رسول اللّه يقول ذلك ؟
فبعث إلى عليّ بن أبي طالب ، فأتاه ، فقال : يا أبا الحسن ! أسَمِعتَ رَسُولَ اللّهِ يَقُولُ ما حَكاهُ أبو ذَرّ ؟ وقصّ عليه الخبرَ . فقال عليّ : نعم ! قال : وَكيفَ تَشهَدُ ؟ قال : لقول رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « ما أظَلَّتِ الخَضرَاءُ ، ولاَ أقلّتِ الغَبراءُ ذا لَهجَةٍ أَصدَقَ مِن أبي ذَرّ » .

1.القَتَب : رَحْل البَعِير ، صغير على قدر السَّنَام ( مجمع البحرين : ج۳ ص ۱۴۳۷ ) .

2.الدُّوَل : جمع دُولة ؛ وهو ما يُتداوَل من المال ، فيكون لقوم دون قوم ( النهاية : ج۲ ص ۱۴۰ ) .

3.خَوَلاً : أي خَدما وعَبيدا ، يعني أنّهم يستخدمونهم ويَستعبِدونهم ( النهاية : ج۲ ص ۸۸ ) .

4.دَغَلاً : أي يَخدعون به الناسَ ، وأصل الدَّغَل : الشَّجَر الملتَفّ الَّذي يكمُن أهل الفَساد فيه ( النهاية : ج۲ ص ۱۲۳ ) .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6074
صفحه از 568
پرینت  ارسال به