425
مكاتيب الأئمّة

الصُّلح على خلاف رأي أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه المخلصين ، شرع معاوية في الإغارة على العِراق والحجاز واليمن وقتل شيعة علي عليه السلام ، وتهديم الأمن العام في البلاد الاسلامية ، وقتل النُّفوس حَتَّى الأطفال ونهب الأموالِ .
فأوّل من أمره معاويةُ بهذا العَملِ الشَّنيعِ غير الإنساني والإسلامي ، هو الضَّحَّاك بن قَيْس فأتى الثَعْلبية وأغار على الحاج ، وبعث أمير المؤمنين عليه السلام على أثره حُجْر بن عديّ رضى الله عنه في أربعة الآفٍ حَتَّى طردَهُ عَنِ بلادِ أميرِ المُؤمنينَ عليه السلام .
قال الثَّقَفيّ : أوّل غارة كانت بالعِراق ، غارة الضَّحَّاك بن قَيْس على أهل العِراق ، وكانت بعد ما حكم الحكمان وقبل قتل أهل النَّهر ، وذلك أنَّ مُعاوِيةَ لمَّا بلغه أنَّ عليَّا عليه السلام بعد تحكيم الحكَمَين تحمَّل إليه مقبلا فهاله أمره فخرج من دمشق معسكرا ، وبعث إلى كور الشَّام فصاح فيها : أن عليَّا قد سار إليكم وكتب إليهم نسخة واحدة فقرأت على النَّاس :
« أمَّا بعدُ ؛ فإنَّا كنَّا قد كتبنا بيننا وبين عليٍّ كتابا ، وشرطنا فيه شُرُوطا ، وحكَّمنا رجلين . . . »
فاجتمع إليه النَّاس من كلِّ كورة ، وأرادوا المسير إلى صفِّين ، فاستشارهم ، وقال : إنَّ عليَّا قد خرج إليكم مِنَ الكُوفَةِ ، وعَهْدُ العاهِدِ بهِ أنَّه فارَقَ النُّخيلَةَ .
فقال له حَبِيب بن مَسْلَمَة : فإنّي أرى أن نخرج حَتَّى ننزل منزلنا الَّذي كنّا فيه ؛ فإنه منزل مبارك قد متعنا اللّه به ، وأعطانا من عدونا فيه النَّصَف ، وقال له عَمْرو بن العاص : إني أرى لك أن تسير بالجنود، حَتَّى توغلها في سلطانهم من أرض الجزيرة ، فإن ذلك أقوى لجندك ، وأذلُّ لِأهلِ حَرْبِكَ .
فقال معاوية : واللّه إني لأعرف أنَّ الرَّأي الَّذي تقول ؛ ولكِنَّ النَّاس لا يطيقون


مكاتيب الأئمّة
424

[ وعلى كل حال ، لقد ابتلي أمير المؤمنين عليه السلام بأُمور :
منها أنَّه ابتلي بأعداء لا يعتنقون مبدءا ، ولا يعتقدون أمرا من مبدأ ومعاد ، ولا يلتزمون بقانون أخلاقي ، ولا يتركون ظلما ، ولا جورا ، ولا جناية قليلاً ولا كثيرا يقدرون عليه كعَمْرو بن العاص ، ومروان ، وبُسْر بن أرطاة ، وزياد . . . ] .
قال أبو جَعْفَر الإسكافي مُحَمَّد بن عبد اللّه المعتزلي : فلم يؤت عليّ رضى الله عنهفي أموره لسوء تدبير كان منه ، أو لغلط في رأي ، غير أنَّه كان يؤثر الصَّواب عند اللّه في مخالفة الرَّأي ، ولا يؤثر الرَّأي في مخالفة رضا ربّه .
وقد كانت له خاصَّة من أهل البصائر واليقين من المهاجرين والأنصار ، مثل ابن عبَّاس ، وعَمَّار ، والمقداد ، وأبي أيّوب الأنْصاريّ ، وخُزَيْمَة بن ثابت ، وأبي الهَيْثم بن التّيهان ، وقَيْس بن سَعْد بن عُبادَة الأنْصاريّ ، ومَن أشبه هؤلاء من أهل البصيرة والمعرفة ، فأفنتهم الحروب واخترمهم الموت .
وحصل معه من العامَّة قوم لم يتمكَّن العلم من قلوبهم ، تبعوه مع ضعف البصيرة واليقين ، ليس لهم صبر المهاجرين ، ولا يقين الأنصار ، فطالت بهم تلك الحروب ، واتصلت بعضها ببعض ، وفني أهل البصيرة واليقين ، وبقي من أهل الضَّعف في النِّيَّة ، وقصر المعرفة من قد سئموا الحرب ، وضجروا من القتل ، فدخلهم الفشل ، وطلبوا الرَّاحة ، وتعلَّقوا بالأعاليل ، فعندها قام فيهم خطيبا ، فقال :
( أيُّها النَّاسُ المُجتَمِعةُ أبدانُهم ، المُختلِفَةُ أهواؤُهُم ، كَلامُكُم يُوهِي الصُمَّ الصِّلابَ ، وفِعلُكُم يُطمِعُ فِيكُم الأَعداءَ ، تقولونَ في المجالِسِ كَيْت وكَيْت ، فإذا جاء القِتالُ قُلتُم : حيدي حَيادِ . . . ) . ۱
[ أقول : لمَّا انتهت حرب صفِّين إلى تحكيم الحَكَمَين ، ومتاركة الحرب ، وكتب

1.المعيار والموازنة : ص۹۸ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5919
صفحه از 568
پرینت  ارسال به