421
مكاتيب الأئمّة

وقال الأشْتَر : يا أمير المؤمنين ، احمل الصَّفَّ على الصَّفِّ يُصْرَع القوم .
فتصايَحوا : أنَّ عليَّا أمير المؤمنين قد قبِل الحكومة ، ورضِي بحُكم القرآن ، ولم يَسعْه إلاَّ ذلك .
قال الأشْتَر : إن كان أمير المؤمنين قد قبِل ورضي بِحُكْمِ القرآن ، فقد رضيِتُ بما رضِي أمير المؤمنين .
فأقبل النَّاس يقولون : قد رضِي أمير المؤمنين ، قد قَبِل أمير المؤمنين . وهو ساكتٌ لا يَبِضُّ ۱ بِكَلمةٍ ، مُطرِقٌ إلى الأرض . ۲
[ لمَّا قبل أمير المؤمنين ذلك ، كرها اتفق أهل الشَّام على عَمْرو بن العاص حكما ] فقال الأشْعَث والقُرَّاء الَّذِين صاروا خوارجَ فيما بعد : فإنَّا قد رضينا واخترنا أبا موسى الأشْعَرِيّ .
فقال لهم عليّ : « إنِّي لا أرضى بِأَبي مُوسى ، ولا أرى أن أُوَلِّيه » .
فقال الأشْعَث ، وزَيْد بن حُصَيْن ، ومِسْعَر بن فَدَكيّ في عصابة من القُرَّاء : إنَّا لا نرضى إلاَّ به ، فإنَّه قد حذَّرنا ما وقعنا فيه .
قال عليّ : « فَإنَّهُ ليس لِي بِرِضا ، وقد فارقَني وخَذَّل النَّاس عنِّي ثُمَّ هربَ ، حَتَّى أمَّنته بعد أشهر . ولكِنْ هذَا ابنُ عبَّاسٍ أُولِّيه ذلِكَ » .
قالوا : واللّه ، ما نبالي ، أ كنتَ أنت أو ابن عبَّاس ، ولا نريد إلاَّ رجلاً هو منك ومن

1.الأبْضُ : السُّكونُ . ( لسان العرب : ج ۷ ص ۱۱۰ ).

2.وقعة صفِّين : ص۴۹۰ ـ ۴۹۲ ، بحار الأنوار : ج۳۲ ص۵۳۳ ـ ۵۳۵ وراجع : تاريخ الطبري : ج۵ ص۴۹ ، الكامل في التاريخ : ج۲ ص۳۸۷ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۲ ص۲۱۹ .


مكاتيب الأئمّة
420

قال : فإنَّهم قالوا : لتُرسِلنَّ إلى الأشْتَر فليَأتينَّك ، أو لَنقتُلنَّك بأسيافنا كما قتلنا عثمان ، أو لنُسْلمنَّك إلى عدوِّك .
قال : فأقبل الأشْتَر حَتَّى انتهى إليهم ، فصاح فقال : يا أهل الذُلِّ والوَهْنِ ، أحين عَلَوْتم القومَ فظنُّوا أنَّكم لهم قاهرون ورفعوا المصاحف يَدعونكم إلى ما فيها ؟ ! وقد واللّه ، تركوا ما أمر اللّهُ بهِ فيها ، وسُنَّة مَن أُنزِلَت علَيهِ ، فلا تجيبوهم . أمهلوني فُوَاقا ۱ ، فإنِّي قد أحسَستُ بالفَتحِ .
قالوا : لا . قال : فأمهلوني عَدْوةَ الفَرسِ ، فإنِّي قد طمعت في النَّصر .
قالوا : إذنْ ندخلَ معك في خطيئتك .
قال : فحدِّثوني عنكم ـ وقد قُتل أماثِلُكم وبقي أراذلكم ـ متى كنتم محقِّين ، أحِين كنتم تقتلون أهل الشَّام ، فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون ، أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقُّون ؟ فقتلاكم إذن الَّذِين لا تنكرون فضلهم وكانوا خيرا منكم في النَّار . قالوا : دعنا مِنكَ يا أشْتَرُ ، قاتلناهم في اللّهِ وندع قِتالَهُم في اللّهِ ، إنَّا لسنا نُطيعُك فاجتنِبْنا .
قال : خُدِعْتم واللّهِ فانخدعتم ، ودُعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم ، يا أصحاب الجباه السُود ، كنَّا نظنُّ أنَّ صلاتكم زَهادةٌ في الدُّنيا وشوقٌ إلى لقاء اللّه ، فلا أرى فِراركم إلاَّ إلى الدُّنيا من الموت . ألا فقُبْحا يا أشباه النِّيبِ الجَلاَّلة ، ما أنتم برَائين بعدها عِزَّا أبدا ، فابعَدوا كما بعِد القومُ الظَّالمون .
فَسبُّوه وسبَّهم ، وضربوا بسياطهم وجهَ دابّتهِ ، وضرب بسوطه وُجوهَ دَوَابِّهِم ، فصاح بِهِم عليٌّ فكَفُّوا .

1.الفواق ، بالضم وبالفتح : ما بين الحلبتين ، يقال : انظروني فواق ناقة .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5963
صفحه از 568
پرینت  ارسال به