41
مكاتيب الأئمّة

يتحمّل أمير المؤمنين عليه السلام هذه الأوامر الجائرة ، فخرج مع أبنائه وعدد من الصَّحابة لتوديعه ۱ .
وله كلام عظيم خاطبه به وبيّن فيه ظُلامته ۲ . وتكلّم من كان معه أيضا، ليعلم الناس أنّ الَّذي أبعد هذا الصَّحابيّ الجليل إلى الرَّبَذَة هو قول الحقّ، ومقارعة الظُّلم، لا غيرها ۳ ، وكان إبعاد أبي ذَرّ أحد ممهّدات الثَّورة على عثمان .
وذهب هذا الرَّجل العظيم إلى الرَّبَذَة رضيّ الضَّمير ؛ لأنّه لم يتنصّل عن مسؤوليّته في قول الحقّ ، لكنّ قلبه كان مليئا بالألم ؛ إذ تُرك وحده ، وفُصل عن مرقد حبيبه رسول اللّه صلى الله عليه و آله .
يقول عبد اللّه بن حوّاش الكعبي : رأيتُ أبا ذَرّ في الرَّبَذَة ، وهو جالس وحده في ظلّ سقيفةٍ ، فقلت : يا أبا ذَرّ ! وحدك !
فقال : كان الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر شعاري ، وقول الحقّ سيرتي ، وهذا ما ترك لي رفيقا .
توفّي أبو ذَرّ سنة ۳۲ ه ۴ ، وتحقّقت نبوءة النبي صلى الله عليه و آله في أبي ذرّ حيث قال صلى الله عليه و آله : « يَرحَم اللّهُ أبا ذَرّ ، يَعِيشُ وحدَهُ ، ويَمُوتُ وَحدَهُ ، ويُحْشَرُ وَحدَهُ » .

1.الكافي : ج ۸ ص۲۰۶ ح۲۵۱ ، من لا يحضره الفقيه : ج ۲ ص۲۷۵ ح۲۴۲۸ ، الأمالي للمفيد : ص۱۶۵ ح۴ ، المحاسن : ج۲ ص۹۴ ح۱۲۴۷ ، تاريخ اليعقوبي : ج۲ ص۱۷۲ ؛ مروج الذهب : ج۲ ص۳۵۰ .

2.الكافي : ج ۸ ص۲۰۶ ح۲۵۱ ، نهج البلاغة : الخطبة ۱۳۰ .

3.الكافي : ج ۸ ص۲۰۷ ح۲۵۱ وراجع من لا يحضره الفقيه : ج ۲ ص۲۷۵ ح۲۴۲۸ ، المحاسن : ج۲ ص۹۴ ح۱۲۴۷ ؛ شرح نهج البلاغة : ج ۸ ص۲۵۳ الرقم۱۳۰ .

4.المستدرك على الصحيحين : ج ۳ ص۳۸۱ ح۵۴۵۱ ، سِيَر أعلامِ النبلاء : ج۲ ص۷۴ الرقم۱۰ ؛ رجال الطوسي : ص۳۲ الرقم۱۴۳ وفيه « مات في زمن عثمان بالربذة » .


مكاتيب الأئمّة
40

وصرخاته بوجه الظُّلم ملأت الآفاق ، واشتهرت في التَّاريخ ؛ فهو لم يصبر على إسراف الخليفة الثَّالث وتبذيره وعطاياه الشَّاذّة ، فانتفض ثائرا صارخا ضدّها ، ولم يتحمّل التَّحريف الَّذي افتعلوه لدعم تلك المناقب المصطنعة ، وقدح في الخليفة، واستنكر توجيه كَعْب الأحْبار لأعماله وممارساته . فقام الخليفة بنفي صوت العدالة هذا إلى الشَّام الَّتي كانت حديثة عهدٍ بالإسلام ، غيرَ مُلمّةٍ بثقافته ۱ .
ولم يُطِقه معاوية أيضا ؛ إذ كان يعيش في الشَّام كالملوك ، ويفعل ما يفعله القياصرة ، ضاربا بأحكام الإسلام عرض الجدار ، فأقضّت صيحات أبي ذَرّ مضجعه ۲ . فكتب إلى عثمان يخبره باضطراب الشَّام عليه إذا بقي فيها أبو ذَرّ ، فأمر بردّه إلى المدينة ۳ ، وأرجعوه إليها على أسوأ حال .
وقدم أبو ذَرّ المدينة ، ليجد سياسة عثمان على حالها ، فعاد أبو ذرّ إلى طريقته ، فالاحتجاج كان قائما ، والصّيحات مستمرّة ، وقول الحقّ متواصلاً ، فلم يتوقّف أبو ذرّ عن كشف الانحراف . ولمّا لم يُجْدِ التَّرغيب والتَّرهيب معه ، غيّرت الحكومة اُسلوبها معه ، وما هو إلاّ الإبعاد ، لكنّه هذه المرَّة إلى الرَّبَذة ۴ ، وهي صحراء قاحلة حارقة ، وأصدر عثمان تعاليمه بمنع مشايعته ۵ . ولم

1.راجع : أنساب الأشراف : ج۶ ص۱۶۶ ، مروج الذهب : ج۲ ص۳۴۹ ، شرح نهج البلاغة : ج ۸ ص۲۵۶ ح۱۳۰ .

2.راجع : أنساب الأشراف : ج۶ ص۱۶۷ ، شرح نهج البلاغة : ج ۸ ص۲۵۶ الرقم۱۳۰ ؛ الشافي : ج۴ ص۲۹۴ .

3.الطبقات الكبرى : ج۴ ص۲۲۶ ، أنساب الأشراف : ج۶ ص۱۶۷ ، سِيَر أعلامِ النبلاء : ج۲ ص۶۳ الرقم۱۰ ، تاريخ الطبري : ج۴ ص۲۸۳ ؛ الأمالي للمفيد : ص۱۶۲ ح۴ .

4.راجع : الكافي : ج ۸ ص۲۰۶ ح۲۵۱ ، الأمالي للمفيد : ص۱۶۴ ح۴ ؛ أنساب الأشراف : ج۶ ص۱۶۷ ، الطبقات الكبرى : ج۴ ص۲۲۷ .

5.راجع : مروج الذهب : ج۲ ص۳۵۱ ، شرح نهج البلاغة: ج ۸ ص۲۵۲ الرقم۱۳۰؛ الأمالي للمفيد: ص۱۶۵ ح۴ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6087
صفحه از 568
پرینت  ارسال به