369
مكاتيب الأئمّة

وأمَّا بخصوص ما قاله الشَّارح المعتزلي : . . .قد ضمَّ إليه بعضَ خطبة أخرى ، وهذه عادتَه ، لأنَّ غَرَضَه الْتِقاط الفصيح والبليغ من كلامه ؛ ففيه ما لا يخفى ، وهو أنَّ غرض الشَّريف رحمه الله الْتِقاط الفصيح ( لا مزج خطبة أو كتاب بخطبة أو كتاب ) ولازمه حذف بعض من الكتاب أو الخطبة ، وغاب عنه ، إنَّ ما نسبه إلى السَّيِّد خيانة في النَّقل وكذب في الحديث ، وهو أتقى وأورع من ذلك .
وحجته في ذلك ، خلوُّ رواية نَصْر بن مزاحم من بعض فقرات هذا الكتاب ، ولو كان الأمرُ كما ذكر ، لنبَّه عليه الرَّضِيُّ ، فقد عرفت احتياطه في النَّقل ، وتثبُّتهُ في الرِّواية . . .
وعلى كلّ حال ، فنحن إنّما نورد نصّ نَصْر أيضا لتتميم الفائدة ، وهذا هو : ]
« بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مِن عَبدِ اللّهِ عَلِيٍّ أميرِ المُومِنينَ إلى مُعاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ : سَلامٌ علَى مَنِ اتَّبعَ الهُدى ، فَإنِّي أحمَدُ اللّهَ إليكَ الَّذي لا إلهَ إلاَّ هُوَ .
أمَّا بعدُ ؛ فإنَّكَ قَدْ رأيْتَ مِنَ الدُّنيا وتَصَرُّفِها بِأهْلِها ، وإلى ما مَضَى مِنْها ، وخيرُ ما بَقِيَ من الدُّنيا ما أصابَ العِبادُ الصَّادِقُونَ فِيما مَضَى ، ومَن نَسِيَ الدُّنيا نِسيَانَ الآخِرَةِ يَجِدْ بَينَهُما بَوْنا بَعِيدا .
واعلَمْ يا مُعاوِيَةُ ، أنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ أمرا لَسْتَ مِن أهلِهِ لا فِي القدَمِ ، ولا فِي الوِلايَةِ ، ولَسْتَ تَقولُ فيهِ بِأمْرٍ بَيِّنٍ تُعرَفُ لَكَ بهِ أثَرَةٌ ، ولا لَكَ عَليهِ شاهِدٌ مِن كِتابِ اللّهِ ، ولا عَهْدٌ تَدَّعِيهِ مِن رَسُولِ اللّهِ ، فكَيفَ أنْتَ صانِعٌ إذا انْقَشَعَتْ عَنكَ جَلابِيبُ ما أنتَ فِيهِ ، مِن دُنيا أبْهَجَتْ بِزِينَتِها ، وَرَكَنْتَ إلى لَذَّتِها ، وخُلِّيَ فيها بَينَكَ وبين عَدُوٍّ جاهِدٍ مُلِحٍّ ، معَ ما عَرَضَ فِي نَفْسِكَ مِن دُنيا قَدْ دعَتْكَ فأَجَبتَها ، وقادَتْكَ فاتَّبعْتَها ،


مكاتيب الأئمّة
368

لِما سَيْنزِلُ بِكَ ، ولا تُمَكِّنْ عَدُوَّكَ الشَّيطانَ مِنْ بُغْيَتِهِ فِيكَ ، مَعَ أنِّي أعْرِفُ أنَّ اللّهَ ورَسُولَهُ صادِقانِ .
نَعوذُ باللّهِ مِن لُزومِ سابِقِ الشَّقاءِ ، وإلاَّ تَفْعَلْ فإنِّي أُعلِمْكَ ما أغفَلْتَ مِن نَفْسِكَ ، إنَّك مُترَفٌ ، قَد أخَذَ مِنكَ الشَّيطانُ مأْخَذَهُ ، فَجَرى مِنكَ مَجرَى الدَّمِ في العُروقِ ، ولَستَ مِن أئمَّةِ هذهِ الأمَّةِ ولا مِن رُعَاتِها .
واعلَم أنَّ هذا الأمرَ لو كانَ إلى النَّاسِ أو بِأيديهِم لحَسَدُوناهُ ، ولامْتَنُّوا علَينا بهِ ، ولكِنَّهُ قَضَاءٌ مِمَّن مَنَحَناهُ واختَصَّنا بهِ علَى لِسانِ نَبيِّهِ الصَّادِقِ المُصَدَّقِ ، لا أفلَحَ مَن شَكَّ بَعدَ العِرفانِ والبَيِّنَةِ ! رَبِّ احكُم بَينَنا وبَينَ عَدُوِّنا بالحَقِّ ، وأنتَ خَيرُ الحاكِمينَ » . ۱

[ أقول : نقل المعتزلي الكتاب عن صفِّين لنصر ، مع أنَّ بينه وبين ما في كتاب نَصْر الموجود بونا بعيدا ، وقال الشَّارح العلاّمة الآملي : واعلم أنَّ بين صورة كتاب الأمير عليه السلام على نسخة كتاب صفِّين ـ الَّتي نقلت عنه ـ وبين صورته على نسخته الَّتي نقلها الفاضل الشَّارح المعتزلي في شرحه على النَّهج بونا بعيدا ، وتفاوتا كثيرا ، ولسنا نعلم كيفية تطرّق مثل هذا الاختلاف الفاحش إلى كتاب واحد ، ولم يحضرني نسخة مصحّحة من كتاب صفِّين ، ولا نسخ متعددة منه ، لحكمنا على صحَّة نسخة ، ولا يبعد أن يقال : إذا كان لابدَّ من اختيار نسخة من بين النُّسخ وترجيحها على غيرها ، فالمختار هو ما في النَّهج ، لمكانة الرَّضيّ في معرفة فنون الكلام وبخصوص أساليبه . . . ۲

1.شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۱۵ ص۸۶ وراجع : وقعة صفِّين : ص۱۰۸ ـ ۱۱۰ ؛ تاريخ مدينة دمشق : ج۵۹ ص۱۳۲ و۱۳۳ .

2.منهاج البراعة : ج۱۸ ص۲۲ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5680
صفحه از 568
پرینت  ارسال به