285
مكاتيب الأئمّة

ولا نأمَنُ مِنهُم حَتَّى ندفَعَ إليهِم محمّد ا فَيقتُلوه ويمثِّلوا بِهِ ، فلَم نَكُن نأمَنُ فِيهِم إلاَّ مِن مَوْسِمٍ إلى مَوْسِمٍ ، فَعزَمَ اللّهُ لَنا علَى منعِهِ ، والذَّبِّ عن حَوْزتِهِ ، والرَّمي مِن وراءِ حُرمَتِهِ ، والقيامِ بأسيافِنا دُونَهُ في ساعاتِ الخَوفِ باللَّيل والنَّهار ، فمُوِنُنا يَرجو بِذَلِكَ الثَّوابَ ، وكافِرُنا يُحامي عَنِ الأصلِ ، وأمَّا مَن أسلَم مِن قُرَيشٍ فإنَّهُم مِمَّا نحنُ فيهِ خَلاءٌ ، مِنهُم الحَليفُ المَمنُوعُ ، ومِنهُم ذو العَشِيرةِ الَّتي تُدافِعُ عَنهُ ، فلا يبغيه أحدٌ مِثلَ ما بغانا بِهِ قومُنا مِنَ التَّلفِ ، فَهُم مِنَ القتْلِ بِمَكانِ نجْوةٍ وأمْنٍ ، فكانَ ذلِكَ ما شاءَ اللّهُ أن يَكُونَ .
ثُمَّ أمرَ اللّهُ تَعالى رسولَهُ بالهِجرَةِ ، وأذِنَ لَهُ بَعدَ ذلِكَ في قِتالِ المُشركِينَ ، فكان إذا احمَرّ البأسُ ، ودُعِيَتْ نَزالِ ۱ أقامَ أهلَ بيتِهِ ، فاستَقدَمُوا ، فَوقَى أصحابَهُ بِهِم حَدَّ الأسنَّةِ والسُّيُوفِ ، فَقُتِلَ عُبيدَةُ يَومَ بَدْرٍ ، وحَمزةُ يَومَ أُحدٍ ، وجَعْفَرُ وزَيْدٌ يَومَ مُوَة ، وأراد مَن لَو شِئتُ ذَكَرتُ اسمَهُ مِثلَ الَّذي أرادوا من الشَّهادة مع النَّبيّ صلى الله عليه و آله غيرَ مَرّةٍ ، إلاَّ أنَّ آجالهم عُجِّلَت ، ومَنيَّته أُخِّرت ، واللّهُ ولِيُّ الإحسانِ إليهِم ، والمِنَّةِ علَيهِم ، بما أسلفوا من أمر الصَّالحات ، فما سَمِعْتُ بأحَدٍ ، ولا رأيتُهُ هو أنصَحُ في طاعَةِ رَسولِهِ ، ولا لِنبيِّهِ ، ولا أصبرَ على اللأواء ۲ والسَّرَّاء والضَّرَّاء وحين البأس ، ومَواطِنِ المَكْروهِ مَعَ النَّبيّ صلى الله عليه و آله من هَواءِ النَّفر الَّذِينَ سَمَّيتُ لَكَ ، وفي المهاجرين خيرٌ كثيرٌ يُعرَف ، جَزاهُمُ اللّهُ خَيرا بأحسَنِ أعمالِهِم .
وذكرتَ حسدي الخلفاءَ وإبطائي عنهم ، وبغيي عليهم ؛ فأمَّا البغيُ فمعاذَ اللّهِ أن يَكُونَ ، وأمَّا الإبطاءُ عَنهُم والكراهِيَةُ لأمرِهِم ، فَلَستُ أعتَذِرُ إلى النَّاس مِن ذلِكَ ؛ إنَّ اللّهَ تعالى ذكره لمّا قَبَضَ نبيَّه صلى الله عليه و آله .

1.أي : تنازلوا للحرب (مجمع البحرين: ج ۳ ص ۱۷۷۴ «نزل») .

2.اللّأْواء : الشدّة ، وضيق المعيشة (النهاية : ج ۴ ص ۲۲۱ «لأواء») .


مكاتيب الأئمّة
284

وجَهَدوا في أمرِهِ كُلَّ الجَهْدِ ، وَقَلَبوا لَهُ الأُمورَ حَتَّى جاءَ الحَقُّ وظَهرَ أمرُ اللّهِ وهُم كارِهُونَ ، وكان أشدُّ النَّاس عليه تأليبا وتحريضا أُسرَتَهُ ، والأدنى فالأدنى مِن قَومِهِ ، إلاَّ مَن عَصَمَ اللّهُ .
وذكرتَ أنَّ اللّهَ تعالَى اجتبى لَهُ مِنَ المُسلِمينَ أعوانا أيَّدهُ اللّهُ بِهِم ، فَكانُوا في مَنازِلِهم عِندَهُ علَى قَدرِ فَضائِلِهم في الإسلامِ ، فكان أفضَلَهُم ـ زعَمتَ ـ في الإسلامِ ، وأنصَحَهُم للّهِ وَلِرَسُولِهِ الخَليفَةِ ، وخَليفَةِ الخَليفَةِ ، ولعَمرِي إنَّ مكانَهُما في الإسلام لَعظِيمٌ ، وإنَّ المُصابَ بِهما لَجُرحٌ في الإسلام شَدِيدٌ ، فَرَحِمَهُما اللّه ، وجَزَاهما أحسَنَ ما عَمِلا !
وذكرتَ أنَّ عثمانَ كانَ في الفَضلِ تالِيا ، فإن يَكُ عُثمانُ مُحسِنا فسَيجزيهِ اللّهُ بإحسانِهِ ، وإنْ يَكُ مُسيئا فسَيَلقى رَبَّا غَفُورا لا يتعاظَمُهُ ذنْبٌ أنْ يَغفِرَهُ ، ولَعَمرِي إنِّي لأرجُو إذا أعطَى اللّهُ النَّاسَ علَى قَدرِ فَضائِلِهم في الإسلام ، ونَصيحَتِهم للّهِ ولِرَسُولِهِ ، أن يَكُونَ نَصيبُنا في ذلِكَ الأوفرَ .
إنَّ محمّد ا صلى الله عليه و آله لمَّا دعا إلى الإيمانِ باللّهِ والتوحيدِ لَهُ ، كنَّا أهلَ البَيتِ ، أوَّل مَن آمَن بِهِ وصَدَّقَهُ فيما جاء ، فبتْنا أحوالا كاملةً مجرّمة ۱ تامَّة ، وما يُعبَدُ اللّهُ في رَبْعٍ ساكِنٍ مِنَ العَرَبِ غَيرَنا ، فأراد قومُنا قتل نبيِّنا ، واجتياحَ أصلِنا ، وهمُّوا بنا الهموم ، وفعَلوا بنا الأفاعيل ، ومنَعونا المِيرة ۲ ، وأمسكوا عنَّا العَذْبَ ، وأحْلسُونا الخَوفَ .
وجعَلوا علَينا الأرصادَ والعُيونَ ، واضطرّونا إلى جَبَلٍ وَعْرٍ ؛ وأوْقَدوا لَنا نارَ الحرْبِ ، وكتَبوا بينهم كتابا لا يوكِلُوننا ولا يُشارِبونَنا ، ولا يناكِحُونَنا ، ولا يُبايِعونَنا ،

1.حولٌ مُجرَّم، وسنة مجرَّمة، أي: تامّة . (الصحاح: ج ۵ ص ۱۸۸۵ «جرم» ).

2.المِيرَة : الطّعام يمتارُهُ الإنسان ، وفي التهذيب : وقد مارَ عياله وأهلَهُ يميرهم ميرا . (لسان العرب: ج ۵ ص ۱۸۸ « مور »).

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5578
صفحه از 568
پرینت  ارسال به