101
مكاتيب الأئمّة

يأمره فيه بمناجزة القوم فكتب إليه قَيْس :
أمَّا بعدُ ؛ يا أميرَ المُؤمِنينَ ، العجبُ لَكَ ! تأمُرُني بقتِال قَومٍ كافِّينَ عَنكَ ، لم يَمُدّوا يَدَا للفِتنَةِ ، ولا أرصَدُوا لها ، فأطعِني يا أميرَ المُؤمِنينَ ، وكُفَّ عَنهُم ، فإنَّ الرَّأي تَركُهُم ، والسَّلامُ . ۱
ونقل البلاذري في أنساب الأشراف قال : بعث عليٌ قَيْسَ بن سَعْدِ بنِ عُبادَةَ أميرا على مصر ، فكتب إليه معاوية وعَمْرو بن العاص كتابا أغلظا فيه ، وشتماه ، فكتب إليهما بكتاب لطيف قاربهما فيه ، فكتبا إليه يذكران شرفه وفضله ، فكتب إليهما بمثل جواب كتابهما الأوّل ، فقالا :
إنَّا لا نطيق مكر قَيْس بن سعد ، ولكنَّا نمكر به عند عليّ ، فبعثا بكتابه الأوَّل إلى عليّ ، فلمَّا قرأه ، قال أهل الكوفة : غَدَرَ واللّهِ قيسٌ ، فاعزِلهُ .
فقال عليّ : « وَيحَكُم، أنا أعلَمُ بِقَيس ، إنَّهُ واللّهِ ، ما غَدَر ، و لكِنَّها إحدى فِعلاتِهِ » .
قالوا : فإنَّا لا نرضى حَتَّى تعزله، فعزله ، وبعث مكانه محمَّد بن أبي بكر .
فلمَّا قدم عليه ، قال : إنَّ مُعاوِيَةَ وعَمْرو سَيَمكُرانِ بِكَ ، فَإذا كَتبا إلَيكَ بِكَذا فَاكتُب بِكَذا ، فإذا فَعَلا كَذا فافعَل كذا ، ولا تُخالِف ما آمُرُكَ بِهِ ، فَإن خالَفتَهُ قُتِلتَ . ۲
وهكذا عزلَ أمير المؤمنين عليه السلام قيسَ بن سعد ، وبعث مكانه محمَّد بن أبي بكر رحمه الله ، فوقع ما وقع ، وقد اشتبه الأمر على جمعٍ ، فقالوا : إنَّه بعث مكانه الأشْتَر ؛ إذ قصّة قَيْس كانت قبل صفِّين ، وقِصَّةُ الأشْتَر كانت بعد صفِّين .

1.راجع : تاريخ الطبري : ج۴ ص۵۵۳ ،الأصابة : ج۳ ص۲۴۹ ، وأنساب الأشراف : ج۱ ص۳۹۲ و۴۰۵ ، جمهرة رسائل العرب : ج۱ ص۵۳۱ الرقم۴۹۷ والاستيعاب وأسد الغابة ترجمة قيس .

2.راجع : أنساب الأشراف : ج۳ ص۱۷۳ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۶ ص۵۷ ـ ۶۳ ؛ الغارات : ج۱ ص۲۱۱ ـ ۲۱۹ .


مكاتيب الأئمّة
100

بذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام :
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أمَّا بعدُ ، فإنِّي أُخبِرُكَ ـ يا أميرَ المُؤمنِينَ ـ أكرَمَهُ اللّهُ ، أنَّ قِبَلي رِجالاً مُعتَزِلينَ ، سَأَلوني أن أكفَّ عَنهُم ، وأن أدَعَهُم على حالِهِم حَتَّى يستقيمَ أمرُ النَّاسِ ، فنرى ويَروْا رأيهم ، وقَد رأيتُ أن أكفَّ عَنهُم ، وألاّ أتعجَّلَ حَربَهُم ، وأن أتألَّفَهُم فيما بينَ ذلك ، لعلَّ اللّهَ عز و جلأن يُقبِلَ بِقُلُوبِهِم ، ويُفَرّقَهُم عَن ضَلالَتِهِم ، إن شاءَ اللّهُ . ۱
وكتب معاويةُ إلى قَيْس بن سَعْد يستزلّه ، ويعده الولاية له ولأهل بيته ، فردّه قَيْس ، وجرى بينهما مكاتبات ، فلمَّا يئس معاوية ، وثقل عليه كونه واليا على مصر لِما عَلِمَ من بأسه وسياسته ونجدته . وخاف معاويةُ جانبه ، وعلم أنّه مادام قَيْس بمصر لا يتمكّن من فتحها ، بل يخاف أن يحمل عليه قَيْس من جهته أيضا ؛ ولذلك احتال معاوية واختلق كتابا ادّعى أنّه من قيس ، وأنّ قيسا موالٍ لمعاوية في سرّه وقرأه على النَّاس ، وأشاع ذلك في العراق ، وروّجه في العراق عيون معاوية وجواسيسه ، كالأشعث وأضرابه .
فلمَّا وصل كتاب قَيْس هذا إلى أمير المؤمنين عليه السلام في الكفّ عن المعتزلين، جعلوه دليلاً على الأراجيف المفتعلة في قيس ، وحثّوا جمعا ممَّن لا خبرة له بأسرار الأمور والحوادث ، على الإصرار على عزله ، كل ذلك كان من تدبير أذناب وأيادي معاوية الموجودين سرَّا في الكوفة ، وكانت وظيفة الأشْعَث وأضرابه، هي إلجاء أمير المؤمنين عليه السلام إلى عزل قَيْس ، متذرِّعين بهذه العناوين الباهتة ، وفطن عليّ عليه السلام إلى ذلك التَّدبير الخبيث ، فلم يرَ مناصا من أن كتب إلى قَيْس هذا الكتاب ،

1.تاريخ الطبري : ج۴ ص۵۵۴ ، جمهرة رسائل العرب : ج۱ ص۵۳۰ الرقم ۴۹۵ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5595
صفحه از 568
پرینت  ارسال به