159
موسوعة الامام الحسین علیه السّلام فی الکتاب و السّنّة و التّاریخ (المقاتل)

فلمّا مات معاوية وانقضت مدّة الهدنة التي كانت تمنع الحسين بن عليّ عليهما السلام من الدعوة إلى نفسه ، أظهر أمره بحسب الإمكان ، وأبان عن حقّه للجاهلين به حالاً بحال ، إلى أن اجتمع له في الظاهر الأنصار ، فدعا عليه السلام إلى الجهاد ، وشمّر للقتال ، وتوجّه بولده وأهل بيته من حرم اللَّه وحرم رسوله نحو العراق؛ للاستنصار بمن دعاه من شيعته على الأعداء .

وقدّم أمامه ابن عمّه مسلم بن عقيل (رضي اللَّه عنه وأرضاه) للدعوة إلى اللَّه والبيعة له على الجهاد ، فبايعه أهل الكوفة على ذلك وعاهدوه ، وضمنوا له النصرة والنصيحة ، ووثّقوا له في ذلك وعاقدوه ، ثمّ لم تطل المدّة بهم حتّى نكثوا بيعته وخذلوه وأسلموه ، فقتل بينهم ولم يمنعوه ، وخرجوا إلى الحسين عليه السلام فحصروه ، ومنعوه المسير في بلاد اللَّه ، واضطرّوه إلى حيث لا يجد ناصراً ولا مهرباً منهم ، وحالوا بينه وبين ماء الفرات حتّى تمكّنوا منه وقتلوه ، فمضى عليه السلام ظمآن ، مجاهداً صابراً ، ۱محتسباً مظلوماً ، قد نُكِثَت بيعتُهُ ، واستحلّت حرمته ، ولم يوفَ له بعهد ، ولا رُعِيَت فيه ذمّة عقد ، شهيداً على ما مضى عليه أبوه وأخوه عليهما أفضل الصلاة والرحمة والتسليم .

فصل‏

فمن مختصر الأخبار التي جاءت بسبب دعوته عليه السلام ، وما أخذه على الناس في الجهاد من بيعته ، وذكر جملة من أمره وخروجه ومقتله ، ما رواه الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السيرة ، قالوا :
لمّا مات الحسن بن عليّ عليهما السلام تحرّكت الشيعة بالعراق ، وكتبوا إلى الحسين عليه السلام في خلع معاوية والبيعة له ، فامتنع عليهم ، وذكر أنّ بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لا يجوز له نقضه حتّى تمضي المدّة ، فإن مات معاوية نظر في ذلك .

فلمّا مات معاوية - وذلك للنصف من رجب سنة ستّين من الهجرة - كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - وكان على المدينة من قبل معاوية - أن يأخذ

1.۲ / ۳۲


موسوعة الامام الحسین علیه السّلام فی الکتاب و السّنّة و التّاریخ (المقاتل)
158

ينزل بذلك في مثلهما ، قال اللَّه عز اسمه في سورة هل أتى :
«وَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى‏ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَ يَتِيمًا وَ أَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَ لَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَ جَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيرًا» .۱
فعمّهما هذا القول مع أبيهما واُمّهما عليهم السلام ، وتضمّن الخبر نطقهما في ذلك وضميرهما الدالّين على الآية الباهرة فيهما ، والحجّة العظمى على الخلق بهما ، كما تضمّن الخبر عن نطق المسيح عليه السلام في المهد وكان حجّة لنبوّته ، واختصاصه من اللَّه بالكرامة الدالّة على محلّه عنده في الفضل ومكانه .

وقد صرّح رسول اللَّه صلى اللّه عليه و آله بالنصّ على إمامته وإمامة أخيه من قبله بقوله : ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا .
ودلّت وصيّة الحسن عليه السلام إليه على إمامته ، كما دلّت وصيّة أمير المؤمنين إلى الحسن على إمامته ، بحسب ما دلّت وصيّة رسول اللَّه صلى اللّه عليه و آله إلى أمير المؤمنين على إمامته من بعده .

فصل‏

فكانت إمامة الحسين عليه السلام بعد وفاة أخيه بما قدّمناه ثابتة، وطاعته - لجميع الخلق - لازمة ، وإن لم يدع إلى نفسه عليه السلام ؛ ۲للتقيّة التي كان عليها ، والهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية بن أبي سفيان ، فالتزم الوفاء بها ، وجرى في ذلك مجرى أبيه أمير المؤمنين عليه السلام ، وثبوت إمامته بعد النبيّ صلى اللّه عليه و آله مع الصموت ، وإمامة أخيه الحسن عليه السلام بعد الهدنة مع الكفّ والسكوت ، وكانوا في ذلك على سنن نبيّ اللَّه صلى اللّه عليه و آله وهو في الشعب محصور ، وعند خروجه مهاجراً من مكّة مستخفياً في الغار ، وهو من أعدائه مستور .

1.الإنسان : ۸ - ۱۲ .

2.۲ / ۳۱

  • نام منبع :
    موسوعة الامام الحسین علیه السّلام فی الکتاب و السّنّة و التّاریخ (المقاتل)
    سایر پدیدآورندگان :
    سيد محمود الطباطبائي نژاد، السيّد روح الله السيّد طبائي
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/08/1393
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 14097
صفحه از 512
پرینت  ارسال به