49
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

ما وَرَدَ عَلَيكُم مِن حَديثِ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله فَلانَت لَهُ قُلوبُكُم وعَرَفتُموهُ فَاقبَلوهُ، ومَا اشمَأَزَّت مِنهُ قُلوبُكُم وأنكَرتُموهُ، فَرُدّوهُ إلَى اللّهِ وإلَى الرَّسولِ وإلَى العالِمِ مِن آلِ مُحمَّدٍ صلى الله عليه و آله . ۱
عند هذا المنعطف يمكن إثارة السؤال التالي: سلّمنا أنّه لا يصحّ نسبة كلام يتعارض مع العقل، إلى النبيّ وأهل بيته ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ لكن هل يمكن القول في المقابل، بأنّ كلّ ما جاء موافقا للعقل والفطرة ومنسجما معهما فهو كلام صادر عنهم عليهم السلام ؟
الجواب هنا النفي أيضاً، لكن يمكن القول بأنّ اتّساق الحديث مع الفطرة والعقل، قرينة تأخذ مكانها إلى جوار القرائن الاُخرى، قد توجب ظنّ الباحث أو اطمئنانه بالصدور.

۳ . بقيّة القرائن

إنّ المعايير المشار إليها آنفاً هي أبرز موازين تمحيص متن الحديث ونقده. أمّا بشأن القرائن الاُخرى التي يمكن أن تعين الباحث في هذا المجال، من قبيل مدى التوافق أو التعارض مع اُصول الإسلام ومبادئه الثابتة، أو مع بقية الأحاديث ممّا يمكنه أن يساعد في البتّ بصحّة الحديث أو سقمه، وكذلك ما يحظى به النصّ نفسه من قوّة أو ضعف؛ فهي ترجع في الحقيقة إلى المعايير السابقة، على ما سيأتي توضيحه أكثر في المستقبل إن شاء اللّه . لكن ثَمّة نقاط من الضروري الإشارة إليها
في هذا المجال، هي:
النقطة الاُولى: إنّ معايير نقد الحديث عموماً دلائل وقرائن عقلية، وما جاء في

1.الكافي: ج ۱ ص ۴۰۱ ح ۱ ، مختصر بصائر الدرجات : ص ۱۰۶، الخرائج والجرائح: ج ۲ ص ۷۹۳ كلّها عن جابر بن يزيد عن الإمام الباقر عليه السلام ، بحار الأنوار: ج ۲ ص ۱۸۹ ح ۲۱.


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
48

۲ . التوافق أو التعارض مع العقل

ثاني أهمّ معيار لتمحيص الحديث ونقده، يبرز في مدى توافق مضمونه أو تعارضه مع الفطرة وأحكام العقل القطعية.
فالإسلام دين الفطرة والمنطق والعقل، والعقل من منظار هذا الدين الإلهي، هو حجّة اللّه الباطنة على الخلق ۱ . على هذا الضوء لا يمكن أن ننسب الكلام الذي يتعارض مع حكم عقلي قطعي جليّ إلى النبيّ الأعظم والأئمّة الكرام.
في الوقت ذاته ينبغي أن نلفت النظر إلى أنّ هذا الكلام لا يعني أنّ كلّ ما يعجز العقل عن إدراك حقيقته، ليس من الإسلام في شيء ـ مردّ ذلك أنّ العقل مع إثباته وجود الحقائق الغيبية عاجز عن إدراك كنهها ـ إنّما معناه إذا كشف العقل بطلان كلام بنحو قطعي، فلا صحّة لنسبته إلى النبيّ والأئمّة ، بتعبير آخر، يمكن القول إنّ ثَمّ في التعاليم والمكوّنات الدينية ما هو فوق العقل، ولكن ليس ضدّ العقل، وعندئذ لا حقيقة لما ينسب إلى الإسلام ممّا يتعارض مع العقل والفطرة. على ضوء ذلك كلّه، يشير النصّ النبوي الكريم التالي إلى هذا المعيار، بقوله صلى الله عليه و آله :
إذا سَمِعتُمُ الحَديثَ عَنّي تَعرِفُهُ قُلوبُكُم وتَلينُ لَهُ أشعارُكُم وأبشارُكُم، وتَرَونَ أنَّهُ مِنكُم قَريبٌ؛ فَأَنَا أولاكُم بِهِ، وإذا سَمِعتُمُ الحَديثَ عَنّي تُنكِرُهُ قُلوبُكُم وتَنفِرُ مِنهُ أشعارُكُم وأبشارُكُم، وتَرَونَ أنَّهُ مِنكُم بَعيدٌ؛ فَأَنَا أبعَدُكُم مِنهُ. ۲
وفي حديث آخر حثّ النبيّ صلى الله عليه و آله الاُمّة على ردّ هذا الضرب من الأحاديث إلى العالِم من آل محمّد صلى الله عليه و آله ، والرجوع إليه في نقده وتحليله وتقويمه:

1.راجع : موسوعة العقائد الإسلامية : ج ۱ ص ۱۵۵ (المعرفة / القسم الثاني : العقل) .

2.مسند ابن حنبل: ج ۹ ص ۱۵۴ ح ۲۳۶۶۷ وج ۵ ص ۴۳۴ ح ۱۶۰۵۸ ، صحيح ابن حبّان: ج ۱ ص ۲۶۴ ح ۶۳ ، موارد الظمآن : ص ۵۱ ح ۹۲ ، الطبقات الكبرى: ج ۱ ص ۳۸۷ كلّها عن أبي حميد وأبي اُسيد ، كنزالعمّال: ج ۱ ص ۱۷۹ ح ۹۰۲ .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5283
صفحه از 508
پرینت  ارسال به