371
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

إنّ إشهار موقف الحبّ إزاء من لا يرحم المجتمع الإنساني، ممارسة تعود بتبعات مدمّرة، وبنصّ الإمام عليّ عليه السلام :
رَحمَةُ مَن لا يَرحَمُ تَمنَعُ الرَّحمَةَ ، وَاستِبقاءُ مَن لا يُبقي يُهلِكُ الاُمَّةَ. ۱
إنّ حبّ المجتمع الانساني يقتضي بغض أمثال هذه العناصر الخطيرة، وتقليم أظفارها ومنعها من التجاوز على حريم الإنسانية.
على هذا الضوء تتمثّل فلسفة البغض في اللّه ، بمواجهة العقبات التي تمنع سيادة القيم الإنسانية السامية وتحول دون ازدهارها، وتحمي المجتمع من العناصر المناهضة لتلك القيم ، وأهمّية هذه المواجهة لا تقلّ عن الجهود التي تُبذل لبناء مجتمع يرتكز إلى الحبّ، بل هي جزء من هذه الجهود.

للبغض منشأ في الحبّ!

بالإضافة إلى ما مرّ ذكره في الفقرة السابقة، يلاحظ أنّ للبغض منشأ في الحبّ أساساً، والحبّ الواقعي يقترن مع البغض دائماً، فكلّ علاقة تربط الإنسان بشيء تفضي طبيعياً إلى التنفّر ممّا يتضاد مع ذلك الشيء ويتعارض معه ، فلا يسع للإنسان أن يحبّ إنساناً حبّاً واقعياً ولا يعادي عدوّه!
إنّ بغض الأعداء في الحقيقة من أوضح الدلائل على واقعية محبّة من يدّعي الحبّ، ومن هذا المنطلق جاء التركيز في النصوص الإسلامية على ذكر البغض في اللّه إلى جوار الحبّ في اللّه .

1.غرر الحكم: ح ۵۴۳۰.


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
370

الذي يدوم هو الحبّ الذي يقوم على أساس الدين ويكون للّه وفي اللّه فقط، أمّا ضروب العلاقات الّتى تنشأ على أساس الغرور والعلوّ والمنافع الشخصيّة فمصيرها إلى البغضاء والعداء عاجلاً كان ذلك أم آجلاً:
«الْأَخِلاَّءُ يَوْمَـئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ» . ۱

فلسفة البغض في اللّه

أمّا بالنسبة إلى جواب السؤال الثاني، فينبغي أن ننظر في البدء إلى معنى البغض في اللّه ، وما المقصود منه؟ إذا ما فُسّرت هذه المقولة بنحوٍ صحيح، فستّتضح فلسفتها والمقصود منها بجلاء، ممّا يغني عن أيّ توضيح مُسهب .
إنّ معنى البغض في اللّه ، أنّ المبغِض لا ينطوي على أيّ خصومة شخصية من المبغَض، وأنّ موقف البغض الذي يلتزم به لا يقوم على أساس المنافع الشخصية؛ إنّه يعاديه من أجل اللّه لا من أجل نفسه ، إذا هناك فرق جوهري بين البغض في اللّه ، والبغض من أجل الذات.
إنّ البغض من أجل الذات وبباعث تأمين المنافع الفردية والحزبية، هو منشأ جميع ضروب الفتن والفساد، وسبب كلّ دمار ، أمّا البغض من أجل اللّه فهو كالحبّ للّه ، منشأ جميع ضروب الخيرات والبركات، وسبب كلّ جهود البناء والإعمار وما يعمّ من مظاهر الازدهار الفردية والاجتماعية.
بعبارة اُخرى، إنّ البغض من أجل اللّه عداء من أجل تحقيق منافع الناس، فعداء الإنسان للإنسان الآخر وبغضه له لا يعود بالنفع للّه سبحانه ؛ لأنّه الغنيّ المطلق، ومن ثَمَّ فإنّ الإنسان والمجتمع الإنساني وحدهما، هما اللذان يستفيدان من معطيات الحبّ في اللّه أو البغض في اللّه .

1.الزخرف : ۶۷ .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 4801
صفحه از 508
پرینت  ارسال به