369
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

فما لم يرتبط الإنسان باللّه ويتعلّق به، لا يتحرّر من علائق ذاته، وما لم يتحرّر من ذاته لا يمكنه حبّ الآخر حقيقة ، من هنا جاء في الحديث القدسي:
يابنَ آدَمَ، كُلٌّ يُريدُكَ لِأَجلِهِ ، وأَنَا اُريدُكَ لِأَجلِكَ. ۱
أجل، إنّ كلّ من يخاطبك بقوله: أنا اُحبّك، فإنّما يريدك لتأمين حاجته وتحقيق منفعته، ويبقى وحده سبحانه الغنيّ الذي يريد الإنسان للإنسان لا لنفسه.
كلّما اقترب الإنسان من الغنيّ المطلق تضاءلت احتياجاته وصار وجوداً ربّانياً، ومن ثَمّ لم يعد يتحرّك في حبّه وبغضه بدافع توفير احتياجاته، إنّما يفعل ذلك طاعةً لأمر اللّه ومن أجل التقرّب إليه أكثر . على هذا الأساس كلّما ابتعد الإنسان عن محور الذات وصار قريباً إلى اللّه ، استطاع أن يحبّ الآخرين حبّاً حقيقيّاً بالقدر ذاته.
عند هذه النقطة ينكشف سرّ تركيز الإسلام على الاُخوّة في اللّه والحبّ في اللّه ؛ هذا السرّ الذي يفصح عن نفسه في الحقيقة التي تفيد أنّ مَن حبّه للّه هو وحده الذي بمقدوره أن يُكِنّ الحبّ للإنسان، وأن يكون مدافعاً حقيقياً عن الناس.
ففلسفة فشل الماركسية وهزيمتها في شعار الدفاع عن الجماهير، إنّما تكمن في الحقيقة التي تفيد بأنّ الدفاع الحقيقيّ عن الجماهير أمر متعذّر من دون التوجّه إلى الخالق ، فمن لم يكن باعثه إلى الحبّ إلهيّاً لا يستطيع أن يهمل منافعه الذّاتية ويسقطها من الحساب، والحبّ الذي يُبتَنى على أساس الأنانية والمصالح الذّاتية، في الحقيقة ليس حبّاً للآخر، بل إنّه ضرب من الأنانية بلباس الدفاع عن الجماهير ، وهذا الضرب من الحبّ يدور مدار دوام الانتفاع بالمحبوب ويزول بزواله ، فما إن يعجز المعشوق عن تأمين حاجات العاشق وإشباعها حتّى تنقطع المحبّة، وربّما تبدّلت إلى العداء ، من هذا المنطلق جاء تركيز النصوص الإسلامية، من أنّ الحبّ

1.المواعظ العددية : ص ۴۲۰ عن الإمام عليّ عليه السلام نقلاً عن التوراة .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
368

السؤال الثاني: إذا كان الإسلام ينشد مجتمعاً يقوم على أساس الحبّ، فلماذا يحثّ المسلمين على البغض للّه بالقدر ذاته الذي يحثّ فيه على الحبّ في اللّه ؟ ولماذا يعدّ البغض في اللّه واجباً على حدّ الحبّ في اللّه تماماً ۱ ، ويعتبر ذلك أفضل الأعمال وأوثق عرى الإيمان؟ ۲ ياترى ما الضرورة التي تدعو الإنسان أن يستبدل آصرة الحبّ ببغض الآخرين، ثمّ أيّ داء من الأدواء الاجتماعية يمكن علاجه ببغض الآخرين، وأيّ معضل يمكن تسكينه والسيطرة عليه عن هذا السبيل؟ بكلمة فصل، ما فلسفة البغض في اللّه ؟

منشأ البغضاء

يتطلّب جواب السؤال البحث عن جذور العداء ومناشئه ، يمكن لدراسة عميقة ومستوعبة للموضوع، أن تقودنا إلى نتيجة مفادها أنّ جذر جميع ضروب الضغينة والعداء والأصل الذي تنشأ منه كلّ أنواع الفتنة والفساد، إنّما يكمن بالغرور والعلوّ والتكبّر ، فكلّ الحروب وعمليات سفك الدماء، وجميع المفاسد والجرائم والشرور، والرذائل الأخلاقية والعملية كافّة لها منشؤها في التكبّر والغرور، وإذا ما تمّ معالجة هذا المنشأ من مناشئ الفتن، تترك الضغينة موضعها إلى المحبّة وينعم المجتمع الإنساني بطعم المحبّة اللذيذ ، وينغمر بأجواء الاُخوّة وسؤددها.

العلاج الأساسي للبغضاء

بناءً على ما تقدّم؛ فإنّ الدّواء النّاجع لمعالجة داء العداوة والبغضاء يكمن في اجتثاث الجذور الّتي تنشأ منهما متمثّلةً بالغرور والتكبّر، ولا سبيل إلى علاج الغرور والتكبّر إلاّ باللوذ باللّه وطلبه والارتباط به.

1.راجع: ص ۳۵۳ (وجوب الحبّ في اللّه ) .

2.راجع: ص ۳۵۶ (أوثق عرى الإيمان) وص ۳۵۸ (أفضل الأعمال).

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 4678
صفحه از 508
پرینت  ارسال به