35
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

وكذلك:
وَاللّهُ سُبحانَهُ يَقولُ : «مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَـبِ مِن شَىْ ءٍ» ۱ وفيهِ تِبيانُ كُلِّ شَيءٍ ۲ ، وذَكَرَ أنَّ الكِتابَ يُصَدِّقُ بَعضُهُ بَعضاً. ۳
بيد أنّ نطق القرآن بعضه ببعض وشهادة بعض آياته على بعضها الآخر، مهمّة لا ينهض بها أيّ إنسان كان، بل هي وظيفة أهل الخبرة والاختصاص؛ فبمقدور هؤلاء وحدهم أن يحدّدوا أيّ آية تنطق بالآية الاُخرى، وماذا تقول بهذا النطق، وإلى ماذا تشير، وما الآية التي تبتغي تفسيرها، وما المقصود الذي ترميإلى بيانه، وهكذا.
إنّ المعرفة القرآنية التي تستند إلى هذا المنهاج، هي التي يطلق عليها: «تفسير القرآن بالقرآن»، وهي لا تحتاج إلى السُّنّة. لكن ثَمَّ نقطة مهمّة ينبغي الانتباه لها، مفادها أنّ الحصيلة المعرفية التي تنجم عن هذه المرحلة من معرفة القرآن، لا يمكن التعامل معها بوصفها تعبيراً عن رسالة الدين ومنهاج الإسلام لتكامل الإنسان والحياة؛ لأنّ التعامل معها بهذه الصفة سيعيدنا إلى النظرية الاُولى، وستكون حينئذ مصداقاً لمقولة «حسبنا كتاب اللّه »، ممّا يتعارض مع السنّة النبوية القطعية، ومع إجماع المسلمين قاطبة.
يتبيّن ممّا مرَّ، أنّ المرحلة الثانية من مراحل معرفة القرآن، لا تكفي لاستنباط المعارف القرآنية في المجالات المختلفة وعلى صعيد الأبعاد كافّة، كما سيتّضح ذلك أكثر خلال بيان المرحلة الثالثة.

1.الأنعام: ۳۸ .

2.إشارة إلى الآية ۸۹ من سورة النحل: «وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَـبَ تِبْيَـنًا لِّكُلِّ شَىْ ءٍ» .

3.نهج البلاغة: الخطبة ۱۸ ، الاحتجاج: ج ۱ ص ۶۲۰ ح ۱۴۲ ، بحار الأنوار: ج ۲ ص ۲۸۴ ح ۱ .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
34

قبل القاعدة العريضة التي لها دراية باللغة وحسب .

المرحلة الثانية : معرفة إشارات القرآن

إنّ المرحلة الثانية من مراحل المعرفة القرآنية تتمثّل بمعرفة ما ينطوي عليه هذا الكتاب الربّاني من إشارات لا تتيسّر لعامّة الناس، بل تحتاج إلى التخصّص، ومن ثَمَّ فإنّ الخواصّ وحدهم هم القادرون على النفوذ إلى هذه الدائرة المعرفية. يشير الإمام السجّاد عليه السلام ، إلى هذه المرحلة بقوله: «وَالإِشارَةُ لِلخَواصِّ».
توضيح ذلك، أنّه ليس هناك تعارض بين نورية القرآن وكونه بياناً وبين علميّته وما يتوفّر عليه من عمق. يشير النبيّ صلى الله عليه و آله إلى عمق معارف هذا الكتاب الإلهي المبين، بقوله:
لَهُ ظَهرٌ وبَطنٌ، فَظاهِرُهُ حُكمٌ وباطِنُهُ عِلمٌ، ظاهِرُهُ أنيقٌ وباطِنُهُ عَميقٌ، لَهُ نُجومٌ وعَلى نُجومِهِ نُجومٌ ۱ ، لا تُحصى عَجائِبُهُ، ولا تُبلى غَرائِبُهُ. ۲
في الحقيقة أنّ إشارات القرآن هي السبيل إلى بلوغ معظم معارفه، ومن ثَمَّ فإنّ القرآن الكريم هو بنفسه مبيّن نفسه، ينهض بعضه ببيان بعضه الآخر ، كما يومِئ إلى ذلك الإمام عليّ عليه السلام ، بقوله:
كِتابُ اللّهِ تُبصِرونَ بِهِ، وتَنطِقونَ بِهِ، وتَسمَعونَ بِهِ، ويَنطِقُ بَعضُهُ بِبَعضٍ، ويَشهَدُ بَعضُهُ عَلى بَعضٍ. ۳

1.قال العلاّمة المجلسي رحمه الله لعلّ المراد «له نجوم» : أي آيات تدلّ على أحكام اللّه يهتدى بها ، وفيه آيات تدلّ على هذه الآيات وتوضحها . أو المراد بالنجوم الثالث السنّة؛ فإنّ السنّة توضّح القرآن ، أو الأئمّة عليهم السلام العالِمون بالقرآن ، أو المعجزات؛ فإنّها تدلّ على حقيقة الآيات (مرآة العقول: ج ۱۲ ص ۴۷۹) .

2.الكافي: ج ۲ ص ۵۹۹ ح ۲ عن السكوني عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام ، تفسير العيّاشي: ج ۱ ص ۳ ح ۱ عن محمّد بن مسعود عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام عنه صلى الله عليه و آله ، بحار الأنوار: ج ۹۲ ص ۱۷ ح ۱۶؛ كنزالعمّال: ج ۲ ص ۲۸۹ ح ۴۰۲۷ نقلاً عن العسكري عن الإمام عليّ عليه السلام عنه صلى الله عليه و آله نحوه .

3.نهج البلاغة : الخطبة ۱۳۳ ، بحار الأنوار: ج ۹۲ ص ۲۲ ح ۲۳ .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 4822
صفحه از 508
پرینت  ارسال به