27
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

ويحثّ الناس على التدبّر بآياته:
«كِتَـبٌ أَنزَلْنَـهُ إِلَيْكَ مُبَـرَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ ءَايَـتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَـبِ» . ۱
كما يعود لتأنيب من لا يتدبّر به، وينعته بقوله:
«أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» . ۲
والتساؤل الذي ينبلج من ثنايا هذه النصوص الكريمة، هو: كيف يكون هذا الكلام الذي يسمّى «بياناً» غير مفهوم للناس؟ وكيف تجوز دعوتهم إلى التدبّر به وتوبيخ من يتخلّف عن ذلك، وهو غير مفهوم لهم؟
ثانياً: إنّ الزعم بأنّ القرآن الكريم مبهم يتعارض مع كونه معجزاً، فإنّما يكون الكلام معجزاً قادراً على إثبات ارتباط من جاء به باللّه سبحانه، إذا كان قابلاً للفهم ممّن له معرفة بلغة ذلك الكلام. أمّا الكلام الذي يستعصي إدراكه على عامّة الناس، فلا أثر فيه للمعجزة ولا يصبح دليلاً لإثبات النبوّة.
ثالثاً: عرض السنّة على القرآن، هو أحد المعايير لتمييز الحديث الصحيح عن غير الصحيح، وفاقاً لما جاء في روايات كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام ، عن النبيّ صلى الله عليه و آله :
إنَّ عَلى كُلِّ حَقِّ حَقيقَةً، وعَلى كُلِّ صَوابٍ نوراً؛ فَما وافَقَ كِتابَ اللّهِ فَخُذوهُ، وما خالَفَ كِتابَ اللّهِ فَدَعوهُ. ۳
من البديهي أنّ نصب القرآن معياراً لتمييز السنّة الصحيحة عن غيرها، إنّما يرتكز على قاعدة تفيد بإمكان بلوغ معانيه وحجّية ظواهره، وإلاّ إذا كان الشيء نفسه

1.ص: ۲۹ .

2.محمّد: ۲۴ .

3.الكافي: ج ۱ ص ۶۹ ح ۱ عن السكوني عن الإمام الصادق عليه السلام ، الأمالي للصدوق : ص ۴۴۹ ح ۶۰۸ ، المحاسن: ج ۱ ص ۳۵۴ ح ۷۴۹ كلاهما عن السكوني عن الإمام الصادق عن آبائه عن الإمام عليّ عليهم السلام ، بحار الأنوار: ج ۲ ص ۲۴۳ ح ۴۴ .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
26

بعبارة أوضح، إنّ المفسّر إنّما يعبّر عن معنى الآية ومقصدها في التفسير، لا عن رأيه ومنظاره الخاصّ . وبذا فإنّ المقصود من حرمة التفسير بالرأي، هو تحميل الآراء المبتنية على الحدس والظنّ والاستحسان على القرآن ، وهذا لا يشمل حمل ألفاظ القرآن على معانيها اللغوية والعرفية الواضحة. ۱
يؤيّد هذا الادّعاء ويعزّزه الأحاديث التي يعلّم فيها أهل البيت عليهم السلام أصحابهم منهاج استخراج أحكام الإسلام واستنباطها من القرآن، على ما تجسّده رواية عبد الأعلى التي يقول فيها :
قُلتُ لِأَبي عَبدِ اللّهِ عليه السلام : عَثَرتُ فَانقَطَعَ ظُفري فَجَعَلتُ عَلى إصبَعي مَرارَةً، فَكَيفَ أصنَعُ بِالوُضوءِ؟
قالَ: يُعرَفُ هذا وأشباهُهُ مِن كِتابِ اللّهِ عز و جل : «مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» ۲ ، اِمسَح عَلَيهِ. ۳

نقد الدليل الثاني: اختصاص أهل البيت بفهم معارف القرآن

لا ريب في أنّ لمعارف القرآن مراتب، الإحاطة بها كاملة هو ممّا يختصّ به أهل البيت عليهم السلام . ۴ بيد أنّ هذا لا يعني أنّ معارف القرآن أرفع من فهم عامّة الناس مطلقاً ، وأنّه لا يجوز للعلماء والباحثين في المعرفة الدينية العودة إلى نصّ القرآن؛ وذلك:
أولاً: إنّ القرآن الكريم نفسه، يسجّل صراحة:
«هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ» . ۵

1.لمزيد من الإيضاح راجع : كتاب «فرائد الاُصول» / الأمارات المعتبرة في استنباط الأحكام الشرعيّة من ألفاظ الكتاب والسنّة .

2.الحجّ : ۷۸ .

3.الكافي: ج ۳ ص ۳۳ ح ۴ ، تهذيب الأحكام: ج ۱ ص ۳۶۳ ح ۱۰۹۷ ، بحار الأنوار: ج ۲ ص ۲۷۷ ح ۳۲ .

4.راجع : ص ۳۷ (معرفة حقائق القرآن) .

5.آل عمران: ۱۳۸ .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 4817
صفحه از 508
پرینت  ارسال به