171
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

منطق الفطرة والعقل فحسب، وإنّما هي خلاف النصّ القرآني الصريح أيضا، هذا النصّ الذي يسجّل دون مراء بأنّ الفلسفة التي تكمن وراء بعث جميع الأنبياء الإلهيين هي القيام بالقسط وبسط العدل، حيث يقول :
«لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَـتِ وَ أَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَـبَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» . ۱
فلا مراء في أنّ الأحاديث التي تأمر بالصبر على الاستئثار والإذعان للجور تتعارض مع هذه الآية الكريمة، وكذلك مع جميع الآيات التي يحثّ بها القرآن المسلمين على مواجهة الظلم، ويدعوهم إلى ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإلى القيام بالقسط وبسط العدل.

د ـ التعارض مع أحاديث مواجهة أئمّة الجور

من النقاط الاُخرى التي تصطفّ إلى جوار ما سبقها في تحليل أحاديث الصبر على الاستئثار وتقويمها، تعارضها مع أحاديث نبوية أمر فيها النبيّ صلى الله عليه و آله صراحة بمواجهة أئمّة الجور ودعا إلى منابذة الحكّام الظلمة ومقاومتهم، كما تُومِئ إليه الأمثلة التالية:
۱ . عن معاذ بن جبل : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول :
خُذُوا العَطاءَ ما دامَ عَطاءً فَإِذا صارَ رِشوَةً فِي الدّينِ فَلا تَأخُذوهُ ، ولَستُم بِتارِكيهِ يَمنَعُكُمُ الفَقرَ وَالحاجَةَ ، ألا إنَّ رَحَى الإِسلامِ دائِرَةٌ فَدوروا مَعَ الكِتابِ حَيثُ دارَ، ألا إنَّ الكِتابَ وَالسُّلطانَ سَيَفتَرِقانِ فَلا تُفارِقُوا الكِتابَ، ألا إنَّهُ سَيَكونُ عَلَيكُم اُمَراءُ يَقضونَ لِأَنفُسِهِم ما لا يَقضونَ لَكُم، إن عَصَيتُموهُم قَتَلوكُم وإن أطَعتُموهُم أضَلّوكُم ، قالوا:

1.الحديد : ۲۵ .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
170

نصيحة بعث بها إلى واحد من هذا النمط من العلماء وهو محمّد بن مسلم الزهري، خاطبه فيها بقوله:
فَلَم يَبلُغ أخَصُّ وُزَرائِهِم ولا أقوى أعوانِهِم ، إلاّ دونَ ما بَلَغتَ مِن إصلاحِ فَسادِهِم وَاختِلافِ الخاصَّةِ وَالعامَّةِ إلَيهِم! ۱
أ وبعد ذلك يجوز للعقل أن يذعن بأنّ خاتم أنبياء اللّه والحلقة الأخيرة في قافلة المرسلين، الذي أنبأ بأنّ دينه يظهر على الأديان كلّها وتكون له الغلبة على العالَم حتّى قيام الساعة، قد أمر اُمّته أن تلتزم منهاج الصبر والصمت ضدّ الأشخاص الذين استهدفوا الإطاحة بالمرتكز الأساسي والاُسّ الركين الذي تقوم عليه الفلسفة الاجتماعية للديانة متمثّلاً بالقيام بالقسط، ليكون بذلك قد وضع بيده عوامل الانهيار التي تقوّض أركان دينه وتنشب في كيانه أظفار المنية؟ الحقيقة أنّ العكس هو الصحيح، فقد نفى صلى الله عليه و آله انتساب مثل هذه الأحاديث إليه التي تأباها فطرة القلوب وينفر منها الفكر، وبهذا المعيار الراكز حذّر المسلمين من أنّه لا ينطق بمثل هذا الكلام ولا يحدّث بحديث كهذا. ۲

ج ـ التعارض مع القرآن

المعيار الآخر الذي يدخل في تحديد صحّة الحديث المنسوب إلى النبيّ صلى الله عليه و آله ، هو القرآن الكريم. ۳
على ضوء هذا المعيار تبرز نقطة اُخرى في نقد أحاديث الصبر على أثَرة الاُمراء
وظلم الحكّام وتقويمها، تتمثّل هذه المرّة في أنّ هذه الأحاديث لا تتعارض مع

1.تحف العقول : ص ۲۷۶ ، بحار الأنوار : ج ۷۸ ص ۱۳۲ ح ۲.

2.راجع : ص ۴۸ (التوافق أو التعارض مع العقل) .

3.راجع : ص ۴۶ (التوافق أو التعارض مع القرآن) .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 4854
صفحه از 508
پرینت  ارسال به