17
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

وبالرغم من أنّ هذه النظرية لم تحظ خلال تاريخ الإسلام بالمقوّمات التي تضمن لها الديمومة حتّى في أوساط أهل السنّة أنفسهم، إلاّ أنّها ظفرت بمن يؤيّدها ويرفع عقيرته في الدفاع عنها في العقود المتأخّرة. ۱

نقد النظرية الاُولى

لا يحتاج إثبات بطلان هذه النظرية إلى عب ءٍ برهاني كبير، فمع قليل من التأمّل في محتواها وأطرافها يتّضح أنّها كانت تستند إلى تسويغات سياسية، أكثر ممّا ترتكز إلى قواعد علمية ومقوّمات دينية. لكن مع ذلك كلّه، فإنّ الأدلّة التالية تكشف بطلان هذه النظرية وسقمها:

۱ . الاجتهاد في مقابل النصّ القرآني

إنّ الرؤية التي تذهب إلى عدم الحاجة في معرفة القرآن إلى السنّة ، تتنافى مع الآيات التي تتحدّث عن النبيّ بوصفه مبيّناً للوحي ومفسّراً له، كما تتعارض أيضاً مع تلك الآيات التي تنصّ على أنّ طاعة النبيّ واجبة كطاعة اللّه سبحانه.
أمّا الآيات التي تؤكّد أنّ القرآن مبيّن في نفسه وكونه تبياناً لكلّ شيء، مثل قوله:
«لَقَدْ أَنزَلْنَا ءَايَـتٍ مُّبَيِّنَـتٍ» . ۲

1.في عام ۱۹۰۶ م تعرّض الدكتور محمّد توفيق صدقي لهذا الموضوع في مقالة له بعنوان «الإسلام هو القرآن وحده» (مجلّة المنار / المجلّد التاسع ص ۵۱۵ ، وتراجع أيضا المقالات التي كتبت نقدا على هذا الرأي والتي جاءت في الصفحات : ۶۱۰ ، ۶۹۹ ، ۹۰۶) . وقد تبلورت عقيب ذلك جماعة في الهند والباكستان باسم «القرآنيّون» ، راجع في هذا المجال : القرآنيّون وشبهاتهم حول السنّة لخادم إحسان إلهي بخش ، مكتبة الصدّيق ، مكّة المكرّمة ، الطبعة الثانية / ۲۰۰۰ م . تدوين السنّة النبويّة للدكتور محمّد بن مطر الزهراني : ص ۴۶ ـ ۶۴ . دفاع عن القرآن الكريم للسيّد محمّد رضا الجلالي : ص ۱۷ ـ ۲۶ .

2.النور : ۴۶ .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
16

ويترك لها من السنّة المكتوبة ما يحصنها عن الضياع، مانَع الخليفة الثاني ذلك وحال عملياً دون تحقّق المبادرة النبويّة، مرتكزاً في ممانعته إلى هذه النظرية.
يروي البخاري هذه القصّة عن ابن عبّاس، على النحو التالي:
لَمّا حُضِرَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله وفِي البَيتِ رِجالٌ فيهِم عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله : هَلُمَّ أكتُب لَكُم كِتاباً لا تَضِلّوا بَعدَهُ، فَقالَ عُمَرُ: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه و آله قد غَلَبَ عَلَيهِ الوَجَعُ! وعِندَكُم القُرآنُ حَسبُنا كِتابُ اللّهِ. ۱
ينمّ هذا الكلام عن معنى يفيد أنّه لا مكان للسنّة في المعرفة الدينية مطلقاً ، وفي هذا السياق ارتكز المشروع الذي تبنّته مؤسّسة الخلافة في منع الحديث وحظر تدوينه بعد وفاة النبيّ وامتدّ على مدار قرن من الزمان إلى هذه النظرية .
يكتب الذهبي في بيان ذلك:
إنّ الصدِّيق جمع الناس بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً؛ فلا تحدّثوا عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه ؛ فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه. ۲
يبدو من أخبار بعض المحدّثين أنّ هذه الدعوى انتعشت مجدّداً في بعض الأوساط إبّان القرن الثالث الهجري، على ما يومِئ إليه الشافعي في كتاب جماع العلم، إذ خصّص في هذا الكتاب باباً جاء بعنوان: «حكاية قول الطائفة التي ردّت الأخبار كلّها». ۳

1.صحيح البخاري : ج ۵ ص ۲۱۴۶ ح ۵۳۴۵ و ج ۶ ص ۲۶۸۰ ح ۶۹۳۲ ، مسند ابن حنبل : ج ۱ ص ۷۱۹ ح ۳۱۱۱ ؛ الأمالي للمفيد : ص ۳۶ ح ۳ ، بحارالأنوار : ج ۲۲ ص ۴۷۴ ح ۲۲ . راجع : موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام في الكتاب والسنّة والتاريخ : ج ۲ ص ۳۸۷ (القسم الثالث / غاية جهد النبيّ في تعيين الوليّ) .

2.تذكرة الحفّاظ : ج ۱ ص ۲ نقلاً عن مراسيل ابن أبي مليكة .

3.الاُمّ : ج ۷ ص ۲۷۳ .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5192
صفحه از 508
پرینت  ارسال به