305
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّالث

البداية يدعو الأنبياء وأوصياؤهم النّاس إلى معرفة اللّه على أساس البرهان ، وبعد أن عرفوا اللّه سبحانه تدعوهم عقولهم إلى اتّباع رسل اللّه والقادة الربّانيّين ، ويمهّد أئمّة الدين الأرضيّة لتعالي الإنسان وبلوغ الدرجات العليا من مراتب معرفة اللّه .

رابعا : الاستعانة باللّه

إنّ التعليم الرابع في السلوك إلى اللّه هو بالتضرّع إليه ـ جلّ شأنه ـ والاستعانة به . وللدعاء في إيصال السالك إلى الهدف طريقيّة وموضوعيّة ، وتعود طريقيّته إلى أنّه مصدر توفيق للإنسان للقيام بسائر برامج السلوك ، أمّا موضوعيّته فتؤول إلى أنّه لُبُّ العبادة ۱ .
بل يمكن أن نقول : إذا تحقّقت شروط الدعاء فإنّه من أقرب طرق الوصول إلى الهدف ، بل هو نفسه الطريق الأقرب إلى ذلك ، كما قال تعالى :
«وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» . ۲
من هنا ، يعير الأنبياء وأولياء اللّه أهميّة خاصّة للدعاء ومناجاة اللّه سبحانه قبل غيرهم . قال الإمام الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى : «إِنَّ إِبْرَ هِيمَ لَأَوَّ هٌ حَلِيمٌ» :
الأَوّاهُ هو الدَّعّاءُ . ۳
وقال الإمام الصادق عليه السلام في جدّه أميرالمؤمنين عليه السلام :
كانَ أميرُالمُؤمِنينَ عليه السلام رَجُلاً دَعّاءً . ۴

1.كما روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله : «الدعاء مخّ العبادة» ، بحار الأنوار : ج ۹۳ ص ۳۰۰ .

2.البقرة : ۱۸۶ .

3.الكافي : ج ۲ ص ۴۶۶ ح ۱ عن زرارة .

4.الكافي : ج ۲ ص ۴۶۸ ح ۸ عن ابن القدّاح .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّالث
304

عدد من الروايات ـ كما لوحظ ۱ ـ أنّ معرفة اللّه عز و جل لا تتيسّر إلاّ عن طريق معرفة أهل البيت عليهم السلام ، ومن جهة اُخرى ، جاء في بعض الرّوايات أنّ معرفة أهل البيت متأخّرة عن معرفة اللّه ، ونقرأ في دعاءٍ علّمه الإمام الصادق عليه السلام زرارة قوله :
اللّهُمَّ عَرِّفني نَفسَكَ ؛ فَإِنَّكَ إن لَم تُعَرِّفني نَفسَكَ لَم أعرِف نَبِيَّكَ ، اللّهُمَّ عَرِّفني رَسولَكَ ؛ فَإِنَّكَ إن لَم تُعَرِّفني رَسولَكَ لَم أعرِف حُجَّتَكَ ، اللّهُمَّ عَرِّفني حُجَّتَكَ ؛ فَإِنَّكَ إن لَم تُعَرِّفني حُجَّتَكَ ضَلَلتُ عَن ديني . ۲
وأَبْيَنُ من هذا الكلام ، حين سأل رئيس النصارى أميرالمؤمنين عليه السلام قائلاً : عرفتَ اللّه بمحمّدٍ ، أم عرفت محمّدا باللّه ؟ فقال عليه السلام :
ما عَرَفتُ اللّهَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ، ولكنِ عَرَفتُ مُحَمَّدا صلى الله عليه و آله بِاللّهِ ... . ۳
فكيف يمكن الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات؟
الجواب هو أنّ هذه الأحاديث تعبّر عن التأثير المتبادل لمعرفة اللّه ومعرفة أهل البيت ، فمن جهةٍ معرفة النبيّ صلى الله عليه و آله وأهل بيته ـ كما جاء في الحديث أعلاه ـ فرع معرفة اللّه ، ذلك أنّ النبوّة لا تكتسب معناها إلاّ بعد إثبات وجود اللّه ، ومن جهةٍ اُخرى ، ما لم يَدْعُ الأنبياءُ النّاس إلى معرفة اللّه ، وما لم يهيّئوا أرضيّة التفكّر في براهين التوحيد بين ظهراني النّاس ، لا يتوجّه أحد صوب معرفة اللّه عز و جل ، حينئذٍ ـ كما بيّنا ـ لا يتسنّى نيلُ الدرجات العليا من معرفة اللّه إلاّ عن طريق تعليمات النبيّ صلى الله عليه و آله وأهل بيته عليهم السلام وإرشاداتهم .
على هذا الأساس لا تعارض بين الطائفتين من الروايات المشار إليها ، أي في

1.راجع : ص ۲۱۵ (الهداة إلى معرفة اللّه / أهل البيت) وص ۲۸۷ (ولاية أهل البيت) .

2.راجع : ص ۲۸۸ ح ۲۵۴۷ .

3.راجع : ص ۲۰۷ ح ۲۴۱۸ .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّالث
    سایر پدیدآورندگان :
    سيد محمّد كاظم الطّباطبائي، رضا برنجكار، محمّد تقي سبحاني نيا،
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1385
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3822
صفحه از 496
پرینت  ارسال به