375
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّانی

ودَوابُّ الماءِ، وفيهِ مَنافِعُ اُخَرُ أنتَ بِها عارِفٌ ، وعَن عِظَمِ مَوقِعِها غافِلٌ، فَإنَّهُ سِوَى الأَمرِ الجَليلِ المَعروفِ مِن غَنائِهِ في إحياءِ جَميعِ ما عَلَى الأَرضِ مِنَ الحَيَوانِ وَالنَّباتِ، يَمزُجُ بِالأَشرِبَةِ فَتَلينُ وتَطَيَّبُ لِشارِبِها، وبِهِ تُنَظَّفُ الأَبدانُ وَالأَمتِعَةُ مِنَ الدَّرَنِ ۱ الَّذي يَغشاها، وبِهِ يُبَلُّ التُّرابُ فَيَصلُحُ لِلاِعتِمالِ، وبِهِ نَكُفُّ عادِيَةَ النّارِ ۲ إذَا اضطَرَمَت وأشرَفَ النّاسُ عَلَى المَكروهِ، وبِهِ يَستَحِمُّ المُتعَبُ الكالُّ فَيَجِدُ الرّاحَةَ مِن أوصابِهِ ، إلى أشباهِ هذا مِنَ المآرِبِ الَّتي تَعرِفُ عِظَمَ مَوقِعِها في وَقتِ الحاجَةِ إلَيها.
فَإِن شَكَكتَ في مَنفَعَةِ هذَا الماءِ الكَثيرِ المُتَراكِمِ فِي البِحارِ، وقُلتَ: مَا الإِربُ فيهِ؟ فَاعلَم أنَّهُ مُكتَنَفُ ۳ ومُضطَرَبُ ما لا يُحصى مِن أصنافِ السَّمَكِ ودَوابِّ البَحرِ ومَعدِنِ اللُّؤلُؤَ وَالياقوتِ وَالعَنبَرِ، وأصنافٍ شَتّى تُستَخرَجُ مِنَ البَحرِ، وفي سَواحِلِهِ مَنابِتُ العودِ اليَلَنجوجِ ۴ وضُروبٌ مِنَ الطّيبِ وَالعَقاقيرِ. ثُمَّ هُوَ بَعدُ مَركَبُ النّاسِ ومَحمِلٌ لِهذِهِ التِّجاراتِ الَّتي تُجلَبُ مِنَ البُلدانِ البَعيدَةِ، كَمِثلِ ما يُجلَبُ مِنَ الصّينِ إلَى العِراقِ، ومِنَ العِراقِ إلَى العِراقِ ۵ ، فَإنَّ هذِهِ التِّجاراتِ لَو لَم يَكُن لَها مَحمِلٌ إلاّ عَلى الظَّهرِ لَبارَت وبَقِيَت في بُلدانِها وأيدي أهلِها، لِأَنَّ أجرَ حَملِها كانَ يُجاوِزُ أثمانَها فَلا يَتَعَرَّضُ أحَدٌ لِحَملِها، وكانَ يَجتَمِعُ في ذلِكَ أمرانِ: أحَدُهما فَقدُ أشياءَ كَثيرَةٍ تَعظُمُ الحاجَةُ إلَيها، وَالآخَرُ: انِقطاعُ مَعاشِ مَن يَحمِلُها

1.الدَّرَن: الوسَخ (لسان العرب: ج ۱۳ ص ۱۵۳ «درن»).

2.يقال: دفعتُ عنكَ عادِيَة فلانٍ: أي ظلمه وشرّه (الصحاح: ج ۶ ص ۲۴۲۲ «عدا») . والمراد هنا ضررها.

3.يقال: أنت في كَنَف اللّه تعالى؛ أي في حِرزه وستره، وهو الجانب، والظلّ، والناحية (القاموس المحيط: ج ۳ ص ۱۹۲ «كنف»). والمراد: إنّ هذا الماء هو مأوى للأصناف المذكورة.

4.الألَنْجوج: هو العُود الذي يُتَبَخّر به؛ يقال: ألَنْجوج ويَلَنْجوج وألَنْجَج، كأنّه يَلَجّ في تضوّع رائحته وانتشارها (النهاية: ج ۱ ص ۶۲ «ألنجوج»).

5.وفي بعض النسخ : «ومن العراق إلى الصين» .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّانی
374

بَل كانوا لا يَتَهَنَّؤونَ بِالعَيشِ وَالأَرضُ تَرتَجُّ مِن تَحتِهِم! وَاعتَبِر ذلِكَ بِما يُصيبُ النّاسَ حينَ الزَّلازِلِ عَلى قِلَّةِ مَكثِها حَتّى يُصيروا إلى تَركِ مَنازِلِهم وَالهَرَبِ عَنها.
فَإِن قالَ قائِلٌ: فَلِمَ صارَت هذِهِ الأَرضُ تُزَلزَلُ؟ قيلَ لَهُ: إنَّ الزَّلزَلَةَ وما أشبَهَها مَوعِظَةٌ وتَرهيبٌ؛ يُرَهَّبُ بِهَا النّاسُ لِيَرعَووا عَنِ المَعاصي، وكَذلِكَ ما يَنزِلُ بِهِم مِنَ البَلاءِ في أبدانِهِم وأموالِهِم، يَجري فِي التَّدبيرِ عَلى ما فيهِ صَلاحُهُم وَاستِقامَتُهُم ، ويُدَّخَرُ لَهُم ـ إن صَلَحوا ـ مِنَ الثَّوابِ وَالعِوَضِ فِي الآخِرَةِ ما لا يَعدِلُهُ شَيءٌ مِن اُمورِ الدُّنيا، ورُبَّما عُجِّلَ ذلِكَ فِي الدُّنيا إذا كانَ ذلِكَ فِي الدُّنيا صَلاحاً لِلعامَّةِ وَالخاصَّةِ.
ثُمَّ إنَّ الأَرضَ في طِباعِهَا الَّذي طَبَعَهَا اللّهُ عَلَيهِ بارِدَةٌ يابِسَةٌ ، وكَذلِكَ الحِجارَةُ، وإنَّمَا الفَرقُ بَينَها وبَينَ الحِجارَةِ فَضلُ يُبسٍ فِي الحِجارَةِ . أفَرَأَيتَ لَو أنَّ اليُبسَ أفرَطَ عَلَى الأَرضِ قَليلاً حَتّى تَكونَ حَجَراً صَلداً، أكانَت تُنبِتُ هذَا النَّباتَ الَّذي بِهِ حَياةُ الحَيَوانِ، وكانَ يُمكِنُ بِها حَرثٌ أو بِناءٌ؟! أفَلا تَرى كَيفَ نُقِصَت عَن يُبسِ الحِجارَةِ ، وجُعِلَت عَلى ما هِيَ عَلَيهِ مِنَ اللّينِ وَالرَّخاوَةِ ، وَليَتَهَيَّأ لِلاِعتِمادِ؟
ومِن تَدبيرِ الحَكيمِ ـ جَلَّ وعَلا ـ في خِلقَةِ الأَرضِ أنَّ مَهَبَّ الشِّمالِ أرفَعُ مِن مَهَبِّ الجَنوبِ، فَلَم يَجعَلِ اللّهُ عز و جل كَذلِكَ إلاّ لِتَنحَدِرَ المِياهُ عَلى وَجهِ الأَرضِ فَتَسقِيَها وتَروِيَها ثُمَّ يُفيضَ آخِرَ ذلِكَ إلَى البَحرِ، فَكَما يَرفَعُ أحَدَ جانِبَيِ السَّطحِ ويَخفِضُ الآخَرَ لِيَنحَدِرَ الماءُ عَنهُ ولا تَقومَ عَلَيهِ، كَذلِكَ جُعِلَ مَهَبُّ الشَّمالِ أرفَعَ مِن مَهَبِّ الجَنوبِ لِهذِهِ العِلَّةِ بِعَينِها، ولَولا ذلِكَ لَبَقِيَ الماءُ مُتَحَيِّراً عَلى وَجهِ الأَرضِ ، فَكانَ يَمنَعُ النّاسَ مِن أعمالِها ويَقطَعُ الطُّرُقَ وَالمَسالِكَ .
ثُمَّ الماءُ ، لولا كَثرَتُهُ وتَدَفُّقُهُ فِي العُيونِ وَالأودِيَةِ وَالأَنهارِ لَضاقَ عَمّا يَحتاجُ النّاسُ إلَيهِ لِشُربِهِم وشُربِ أنعامِهِم ومَواشيهِم ، وسَقيِ زُروعِهِم وأشجارِهِم وأصنافِ غَلاّتِهِم ، وشُربِ ما يَرِدُهُ مِنَ الوُحوشِ وَالطَّيرِ وَالسِّباعِ ، وتَتَقَلَّبُ فيهِ الحيتانُ

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّانی
    سایر پدیدآورندگان :
    عبدالهادي مسعودي، سيد رسول موسوي، سيد رضا حسيني، عبّاس پسنديده، غلامحسين مجيدي،
    تعداد جلد :
    5
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5353
صفحه از 516
پرینت  ارسال به