241
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّانی

وإنّ عالِم التّاريخ لا يفقد صوابه في الأحداث التاريخيّة الجسيمة ؛ لأنّه على معرفة بأسبابها وعواملها ، ويتوقّع حدوثها عند توفُّر ظروفها ۱ .
وإنّ عالِم التّاريخ يعرف أنّ المواجهة والمكابرة أمام التّاريخ أمرٌ مُتعب لا فائدة فيه ، وأنّ السبيل الوحيد لمواجهة الأحداث المرّة ، والحيلولة دونها ، هو اتّخاذ موقف علميّ ومنطقيّ منها ۲ .
وعلى هذا الأساس ، ينهض المؤرِّخ الخبير بدور أساسيٍّ في تكامل المجتمع مادّيّا ومعنويّا ، ويساهم في صنع الحضارات الكبرى . من هنا جاء التأكيد الشّديد من القرآن الكريم ، والحديث الشريف ، على التعرّف على علم التّاريخ ، وخاصّةً التّاريخ المعاصر .
لذلك كان أئمّة أهل البيت عليهم السلام مزوّدين بعلم التّاريخ في أعلى مستوياته ، إلى جانب سائر العلوم ؛ لما تتطلّبه مسؤوليّتهم في هداية البشريّة وقيادتها . يقول الإمام الباقر عليه السلام :
«إنَّ مِن عِلمِ ما اُوتينا تَفسيرَ القُرآنِ وأحكامَهُ ، وعِلمَ تَغييرِ الزَّمانِ وحَدَثانِهِ» . ۳

۳ . شهادة التّاريخ

من المفيد أن نعلم أنّ الاستناد إلى «شهادة التّاريخ» له جذور في التعاليم الإسلاميّة .
فالزَّمان ـ في النصوص الإسلاميّة ـ مثل المكان ، شاهد على أعمال الإنسان ، وسوف يؤدّي شهادةً لصالح الإنسان أو في غير صالحه . روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله : أنّ كلَّ

1.راجع : ص ۲۶۷ (أسباب التحوّلات التاريخيّة) .

2.راجع : ص ۲۵۲ (عدم معاتبة الزمان) و (عدم مكابرة الزمان) .

3.الكافي : ج ۱ ص ۲۲۹ ح ۳ .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّانی
240

مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسَابَ» . ۱
وهذا يعني أنَّ التأمّل في دور التّاريخ على ساحة حياة الإنسان ، يجعل الكائن البشريّ منفتحا على معرفة خالق العالم وحكمته .

۲ . قيمة علم التّاريخ والمؤرِّخ

إنّ علم التّاريخ ، وخاصّة ما يرتبط بفلسفة التّاريخ ، وأسباب رُقيّ الاُمم وانحطاطها ، من أنجع العلوم لبلوغ الأهداف الحضاريّة ، وللحيلولة دون سقوط المجتمعات البشريّة وانحطاطها .
إنّ المؤرِّخ الخبير ، بمثابة مَن عاصر أحقاب التّاريخ واكتسب تجاربه ، يقول الإمام علي عليه السلام :
«إنّي وإن لَم أكُن عُمِّرتُ عُمُرَ مَن كانَ قَبلي ، فَقَد نَظَرتُ في أعمالِهِم ، وَفَكَّرتُ في أخبارِهِم ، وسِرتُ في آثارِهِم ، حَتّى عُدتُ كَأَحَدِهِم ، بَل كَأَنـّي بِمَا انتَهى إلَيَّ مِن أمرِهِم قَد عُمِّرتُ مَعَ أوَّلِهِم إِلى آخِرِهِم» . ۲
إنّ المجتمع الذي يعرف سُنن التّاريخ ، يجعل توجُّهاته الثَّقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة منسجمة مع مقتضيات الزمان ، وبذلك يبقى مصونا من هجوم الشُّبهات .
إنّ عالِم التّاريخ لا يساوره يأس في أقسى الظروف السياسيّة والاجتماعيّة ، ولا ينشدّ إلى آمال واهية في أكثر الظروف رخاء ، لأنّه على علم بسنن تحوّل التّاريخ ۳ .

1.الإسراء : ۱۲ .

2.راجع : ص ۲۴۸ ح ۱۳۸۱ .

3.راجع : ص ۲۶۳ (ثبات قوانين التّاريخ) .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّانی
    سایر پدیدآورندگان :
    عبدالهادي مسعودي، سيد رسول موسوي، سيد رضا حسيني، عبّاس پسنديده، غلامحسين مجيدي،
    تعداد جلد :
    5
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5403
صفحه از 516
پرینت  ارسال به