23
العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة

الأساسي للحياة العقلية للإنسان بمدى فاعلية القوّة العاقلة لديه بما تعنيه من وازع أخلاقي. وهذا واحد من الغايات الأساسية الكامنة وراء بعثة الأنبياء. وهذا ما أشار إليه الإمام أميرالمؤمنين عليه‏السلام عند بيانه للحكمة من وراء بعثة الأنبياء في قوله: «ويُثيروا لَهُم دَفائِنَ العُقولِ»۱.

إنّ الإنسان قادر بطبيعته على تفعيل فكره لكشف أسرار الطبيعة، غير أنّ إحياء العقل لمعرفة الكمال المطلق والتخطيط في سبيل الانطلاق على مسار الغاية العليا للإنسانية لا يتيسّر إلاّ للأنبياء.

وكلّ ما ورد في الكتاب والسنّة عن العقل والجهل وعن صفات العقل وخصائصه وآثاره وأحكامه إنّما يختصّ بهذا المعنى من معاني العقل.

وحينما يبلغ الإنسان أسمى مراتب الحياة العقلية في ضوء تعاليم الأنبياء، تتبلور لديه معرفة وبصيرة لايجد الخطأ إليها سبيلاً، وتبقى ملازمة له إلى حين بلوغه ذروة الكمال الإنساني. وفي هذا المعنى قال أميرالمؤمنين عليه‏السلام:

«قَد أحيا عَقلَهُ، وأماتَ نَفسَهُ، حَتّى دَقَّ جَليلُهُ، ولَطُفَ غَليظُهُ، وبَرَقَ لَهُ لامِعٌ كَثيرُ البَرقِ؛ فَأَبانَ لَهُ الطَريقَ، وسَلَكَ بِهِ السَّبيلَ، وتَدافَعَتهُ الأَبوابُ إلى بابِ السَّلامَةِ ومَنزِلِ الإِقامَةِ، وثَبَتَت رِجلاهُ بِطُمَأنينَةِ بَدَنِهِ في قَرارِ الأَمنِ والرّاحَةِ بِمَا استَعمَلَ قَلبَهُ وأرضى رَبَّهُ»۲.

وبناءً على هذا، وانطلاقا من التعريف الذي أوردناه في كتاب «العلم والحكمة في الكتاب والسنّة» في معنى العلم الحقيقي والحكمة الحقيقية، يتّضح لدينا أنّ النصوص الإسلامية طرحت ثلاث مفردات هي: العلم والحكمة والعقل، للتعبير عن قوّة نورانية باطنية بنّاءة في وجود الإنسان. وهذه القوّة تُسمّى ب«نور العلم» من حيث إنّها تقود الإنسان إلى التكامل‏المادّي والمعنوي، وتُسمّى ب«الحكمة الحقيقية»

1.راجع : ص ۷۹ / ح ۲۰۱ .

2.راجع ص ۱۳۷ / ح ۶۰۸ .


العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
22

ب ـ استخدامات «العقل» في نتيجة الإدراكات:

۱ ـ معرفة الحقائق:

تستخدم كلمة «العقل» في النصوص الإسلامية ـ إضافة إلى استعمالها في مبدأ إدراكات الشعور لدى المدرك ـ في المدركات العقلية ومعرفة الحقائق المتعلّقة بالمبدأ والمعاد، وأبرز مثال على ذلك هو الأحاديث التي تضع العقل إلى جانب الأنبياء وتصفه بأنّه حجّة اللّه‏ الباطنة۱. كما أنّ الأحاديث التي تعتبر العقل مما يقبل التهذيب والتربية، وتصفه بأنّه معيار لقيمة الإنسان وبه يجازى ويثاب، أو تقسّمه إلى عقل طبع وعقل تجربة، وإلى مطبوع ومسموع، إنّما تقصد به عقل الوعي والمعرفة.

۲ ـ العمل بمقتضى العقل:

تستخدم كلمة العقل أحيانا بمعنى العمل بمقتضى القوّة العاقلة ـ من باب المبالغة مثل: زيد عدل ـ كالتعريف الذي روي عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في معنى العقل من أنّه: «العَمَلُ بِطاعَةِ اللّهِ، وإنَّ العُمّالَ بِطاعَةِ اللّهِ هُمُ العُقَلاءُ»۲. أو كما روي عن الإمام علي عليه‏السلام في قوله: «العَقلُ أن تَقولَ ما تَعرِفُ، وتَعمَلُ بِما تَنطِقُ بِهِ»۳.

واستخدم الجهل أيضا ـ كاستخدام العقل ـ بمعنى العمل بمقتضى ما تمليه طبيعة الجهل، كما ورد في الدعاء «وكُلَّ جَهلٍ عَمِلتُهُ»۴.

حياة العقل:

العقل حياة الروح، إلاّ أنّ للعقل أيضا ـ في نظر النصوص الإسلامية ـ حياةً وموتًا. والتكامل المادي والمعنوي للإنسان رهين بحياة العقل. ويُقاس التجسيد

1.راجع ص ۷۴ / حجيّة العقل .

2.راجع ص ۱۰۶ / ح ۳۶۱ .

3.راجع ص ۱۰۷ / ح ۳۷۰ .

4.مصباح المتهجّد : ۸۴۹ .

  • نام منبع :
    العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3461
صفحه از 316
پرینت  ارسال به