171
العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة

دراسة في بيان معنى الجهل

يُستخلص ممّا طرحه الإسلام في شتّى أبواب نظريّة المعرفة أنّ هذا الدين الإلهيّ قد أعار ـ قبل كلّ شيء وفوق كلّ شيء ـ أهمّيّة قصوى للفكر والوعي والمعرفة من أجل بناء المجتمع الفاضل الذي يصبو إليه، وحذّر من مغبّة الجهل وتعطيل الفكر.

فالإسلام يرى في الجهل آفة تهدّد ازدهار الإنسانيّة، ومصدرًا لكلّ المفاسد الفرديّة والاجتماعيّة۱، وما لم تستأصل هذه الآفة لا يتسنّى للفضيلة أن تسود، ولا يتحقّق المجتمع الإنسانيالمنشود.

فهذا الدين يعتبر الجهل سبب كلّ شرّ، وأنّه أكبر وبال، وأفتك الأمراض،

1.راجع ص ۱۹۲ / ب : الشرور .


العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
170

۸۱۳.الإمام عليّ عليه‏السلام: إنَّ مِنَ الجَهلِ النَّومَ مِن غَيرِ سَهَرٍ۱.

۸۱۴.الإمام الصادق عليه‏السلام: إنَّ مِنَ الجَهلِ الضِّحكَ مِن غَيرِ عَجَبٍ۲.

۸۱۵.عنه عليه‏السلام: الجَهلُ في ثَلاثٍ: في تَبَدُّلِ الإِخوانِ، وَالمُنابَذَةِ بِغَيرِ بَيانٍ، وَالتَّجَسُّسِ عَمّا لا يَعني۳.

۸۱۶.عنه عليه‏السلام ـ فيما نُسِبَ إلَيهِ في مِصباحِ الشَّريعَةِ ـ: الجَهلُ صورَةٌ رُكِّبَت في بَني آدَمَ، إقبالُها ظُلمَةٌ وإدبارُها نورٌ، وَالعَبدُ مُتَقَلِّبٌ مَعَها كَتَقَلُّبِ الظِّلِّ مَعَ الشَّمسِ، ألا تَرى إلَى الإِنسانِ تارَةً تَجِدُهُ جاهِلاً بِخِصالِ نَفسِهِ حامِدًا لَها، عارِفًا بِعَيبِها في غَيرِهِ ساخِطًا لَها ! وتارَةً تَجِدُهُ عالِمًا بِطِباعِهِ ساخِطًا لَها، حامِدًا لَها في غَيرِهِ ! فَهُوَ مِنهُ مُتَقَلِّبٌ بَينَ العِصمَةِ وَالخِذلانِ، فَإِن قابَلَتهُ العِصمَةُ أصابَ، وإن قابَلَهُ الخِذلانُ أخطَأَ.
ومِفتاحُ الجَهلِ الرِّضا وَالاِعتِقادُ بِهِ، ومِفتاحُ العِلمِ الاِستِبدالُ مَعَ إصابَةِ مُوافَقَةِ التَّوفيقِ. وأدنى صِفَةِ الجاهِلِ دَعواهُ العِلمَ بِلاَ استِحقاقٍ، وأوسَطُهُ الجَهلُ بِالجَهلِ، وأقصاهُ جُحودُهُ. ولَيسَ شَيءٌ إثباتُهُ حَقيقَةً نَفيُهُ إلاَّ الجَهلُ وَالدُّنيا وَالحِرصُ، فَالكُلُّ مِنهُم كَواحِدٍ، وَالواحِدُ مِنهُم كَالكُلِّ۴.

1.الجعفريّات : ۲۳۷ عن الإمام الكاظم عن آبائه عليهم‏السلام .

2.الكافي : ۲ / ۶۶۴ / ۷ عن السكوني ، تحف العقول : ۴۸۷ عن الإمام العسكريّ عليه‏السلام ، وراجعص ۲۰۷ / ح ۸۱۴ .

3.تحف العقول : ۳۱۷ .

4.بحارالأنوار : ۱ / ۹۳ / ۱۵ نقلاً عن مصباح الشريعة : ۴۲۵ .
قال المجلسي رحمه‏الله بعد نقله للحديث :
بيان : «كتقلّب الظلّ مع الشمس» أي كما أنّ شعاع الشمس قد يغلب على الظلّ ويضيءُ مكانه ، وقديكون بالعكس ، فكذلك العلم والعقل قد يستوليان على النفس فيظهر له عيوب نفسه ، ويؤوّل بعقله عيوب غيره ما أمكنه ، وقد يستولي الجهل فيرى محاسن غيره مساوئ ، ومساوئ نفسه محاسن .
ومفتاح الجهل الرضا بالجهل والاعتقاد به ، وبأنّه كمال لا ينبغي مفارقته ، ومفتاح العلم طلب تحصيل العلم بدلاً عن الجهل ، والكمال بدلاً عن النقص ، و ينبغي أن يعلم أنّ سعيه مع عدم مساعدة التوفيق لا ينفع فيتوسّل بجنابه تعالى ليوفّقه .
قوله عليه‏السلام : «إثباته» أي عرفانه ، قال الفيروزآبادي : أثبته : عرفه حقّ المعرفة . وظاهر أنّ معرفة تلك الاُمور كما هي مستلزمة لتركها ونفيها ، أو المعنى أنّ كلّ من أقرّ بثبوت تلك الأشياء لا محالة ينفيها عن نفسه ، فالمراد بالدنيا حبّها . وقوله عليه‏السلام : «فالكلّ كواحد» لعلّ معناه أنّ هذه الخصال كخصلة واحدة لتشابه مبادئها وانبعاث بعضها عن بعض ، و تقوّي بعضها ببعض ، كما لا يخفى .

  • نام منبع :
    العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3247
صفحه از 316
پرینت  ارسال به