مَكيدَتِهِ ، فَأَسرَعَت جُموعٌ مِن جَيشِ الإِمامِ ـ وهُمُ الَّذينَ سَيُشَكِّلونَ تَيّارَ الخَوارِج ـ ومَعَهُمُ الأَشعَث إلى مُؤازَرَتِهِ ، فَازدادَ الطّينُ بِلَّةً بِحَماقَتِهِم . وهكَذا جَعَلُوا الإِمامَ عليه السلام في وَضعٍ حَرِجٍ لِيَقبَلَ الصُّلحَ ، ويُرجِعَ مالِكا عَن مَوقِعِهِ المُتَقَدِّمِ في مَيَدانِ الحَربِ . وكانَ طَبيِعيّا في تلكَ اللَّحظَةِ المَصيِريَّةِ الحاسِمَةِ العَجيبَةِ أن يَرفُضَ مالِك ، ويَرفُضَ مَعَهُ الإِمامُ عليه السلام أيضا ، لكِن لَمّا بَلَغَهُ أنَّ حَياةَ الإِمامِ في خَطَرٍ ، عادَ بِروحٍ مَلَأَها الحُزنُ وَالأَلَمُ ، فَأَغمَدَ سَيفَهُ ، ونَجا مَعاوِيَةُ الَّذي أوشَكَ أن يَطلُبَ الأَمانَ مِن مَوتٍ مُحَقَّقٍ ، وخَرَجَ مِن مَأزَقٍ ضاقَ بِهِ !
وشاجَرَ مالِك الخَوارِج وَالأَشعَث ، وكَلَّمَهُم في حَقيقَةِ ما حَصَلَ ، وأنبَأَهُم بِما يَملِكُ مِن بَصيرَةٍ وبُعدِ نَظَرٍ ، أنَّ جَذرَ تَقَدُّسِهِم يَكمُنُ في تَمَلُّصِهِم مِنَ المَسؤولِيَّةِ ، وشَغَفِهِم بِالدُّنيا .
وحينَ اقتَرَحَ الإمامُ عليه السلام عَبدَ اللّهِ بنَ عَبّاس لِلتَّحكيمِ ورَفَضَهُ الخَوارِج وَالأَشعَث ، اقتَرَحَ مالِك ا ، فَرَفَضوهُ أيضا مُصِرّينَ عَلى يَمِانيَّةِ الحَكَمِ ، في حينٍ كانَ مالِك يَمِانيَّ المَحتِدِ ، وهذا مِن عَجائِبِ الاُمورِ !
وعادَ مالِك بَعدَ صِفّين إلى مُهِمَّتِهِ . ولَمَّا اضطَرَبَت مِصر عَلى مُحَمَّدِ بنِ أبي بَكر وصَعُبَ عَلَيهِ أمرُها وتَمَرَّدَ أهلُهَا ، انتَدَبَ الإِمامُ عليه السلام مالِك ا ووَلاّهُ عَلَيها . وكانَ قَد خَبَرَ كِفاءَتَهُ ، ورِفعَتَهُ ، واستِماتَتَهُ ، ودَأبَهُ ، ووَعيَهُ ، وخُبرَتَهُ فِي العَمَلِ ، فَكَتَبَ إلى أهلِ مِصر كِتابا يُعَرِّفُهُم بِهِ ، قالَ فيهِ : « ... بَعَثتُ إلَيكُم عَبدا مِن عِبادِ اللّهِ ، لا يَنامُ أيّامَ الخَوفِ ، ولا يَنكُلُ عَنِ الأَعداءِ ساعاتِ الرَّوعِ ، أشَدَّ عَلَى الفُجّارِ مِن حَريقِ النّارِ ، وهُوَ مالِكُ بنُ الحارِث أخو مَذحِج ، فَاسمَعوا لَهُ وأطيعوا أمرَهُ فيما طابَقَ الحَقَّ ؛ فَإِنَّهُ سَيفٌ مِن سُيوفِ اللّهِ ، لا كَليلُ الظُّبَةِ ولا نابِي ۱ الضَّريبَةِ ؛ فَإِن أمَرَكُم أن